ضحكة إدغار موران

33 مشاهدة

ثمة صورة لا تفارقُ المتابع كلما فكّرَ في إدغار موران: رجلٌ تجاوز المائة عام يفكّر أمام العالم ويضحك. لا ضحكةَ من يجهل الهاوية، بل ضحكة من أمعن النظر إليها وقرّر ألّا يقع فيها. ذاك موران في جوهره: مفكّرٌ بنى صرحَه الفكري كلّه على منطق التركيب والتشابك ومحاورة الشيء لنقيضه، وعاش حياته وفق هذا المنطق بمرارة عميقة، وروح مرحة لا تخمد.

ماتت أمّه وهو في التاسعة من عمره وتركت فيه جرحاً لم يندمل. كانت تغنّي له في طفولته بالإسبانية اليهودية القديمة، لغة منفًى داخل منفى. يقول في مذكّراته إنه لم يتذكّر يوماً صوتها بوضوح، وإن هذا النسيان كان عقاباً أشدّ من الفقد نفسه. مع ذلك، ومن هذا الجرح بالذات، سيبني لاحقاً تأمّله الكبير في الموت والحياة، في كتابه الإنسان والموت (1951)، حيث لن يُفسر الموتَ بالحزن وحده، بل بالاحتفال والطقوس والكوميديا الإنسانية المتكرّرة.

انخرط في المقاومة الفرنسية ضد النازية وهو في مطلع العشرينيات من عمره. لكنّه، عند استحضاره تلك الفترة، لا يركّز على بطولاته بقدر ما يركّز على الطرافة العبثية التي تسكن المواقف الكبرى. أضاع الرسالة المشفّرة التي كان يحملها، في إحدى المهمّات، فأعاد كتابتها من ذاكرته مع تعديلاتٍ طفيفة، معتقداً أن التعديلات ستُضفي عليها مصداقيةً أكبر. وهو ما يُشبه إلى حدٍّ كبير منهجه الفكري لاحقاً: إعادة كتابة المعرفة الموروثة مع تحويلات جوهرية، ثم تقديمها باطمئنان تامّ. الرجل الذي غيّر وجه الفلسفة الغربيّة كان يُدرّب نفسه، بلا قصد، في زقاق مقاومة باريسيّ، على فكرة تحويل الخطر إلى ملاذ.

في 1952، طرده الحزب الشيوعي الفرنسي بعد مقال نشره، انتقد فيه ما سمّاها الواقعية الاشتراكية المزيّفة. فلم يفاجئه الأمر. اعتبر قطيعته مع الحزب ضربة حظّ، واعتبر الطرد هديّة، بل نعمة. قال لاحقاً إنه في اليوم نفسه، بعد أن تلقّى خبر الفصل، ذهب إلى مقهاه المعتاد واحتفل وحده. لم يكن الأمر ردّة فعل نرجسية، بقدر ما كان إدراكاً أنّ الخروج من القطيع يمثّل بداية التفكير الحقيقي. هذه اللحظة ستتحوّل إلى شعار فلسفي ضمني في

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح