حين ضاقت باريس بامرأة واحدة

20 مشاهدة
اخبار اليمن الان الحدث اليوم عاجل

يمنات

عدنان الدوسري

كانت باريس، في ذلك الخريف، تبدو كأنها خرجت لتوّها من لوحة رسمها عاشق ولم يفرغ من وضع لمساته الأخيرة. كانت أوراق الكستناء تنحدر ببطء على الأرصفة المبتلّة، ويجري السين تحت الجسور كشيخٍ يعرف حكايات العاشقين جميعًا، لكنه يدفنها في مائه ولا يبوح.في المقاهي الصغيرة كانت رائحة القهوة تصعد مع بخار النوافذ، وكانت الشرفات العتيقة تنفض عن حديدها مطرًا خفيفًا يزيد المدينة غموضًا. كل شيء في باريس كان جميلًا، إلا أنني كنت أملك موهبة نادرة في ألا أرى جمال الأشياء حين أكون وحيدًا.كنت لاجئًا أسكن غرفة ضيقة في بيلفيل، في بناية قديمة يتجاور فيها العمال والمهاجرون والطلبة وأولئك الذين يعرفون، بدقة مؤلمة، كيف يقسمون ما تبقى من الشهر على ما تبقى في جيوبهم. وكانت غرفتي تتسع لسرير ضيق وطاولة خشبية ورفوف مائلة تحمل كتبًا أكثر مما تحمل من الأمل.كنت كاتبًا أيضًا. وهذه كانت سخريتي الخفية من العالم: أستطيع على الورق أن أشيد قصورًا وأمنح أبطالي مدنًا لا تنام، بينما لا أملك في الواقع سوى مفتاح لغرفة باردة، ونافذة تطل على أسطح لا أعرف أصحابها.

لم يكن الفقر يؤلمني بقدر ما كانت الغربة تفعل. الفقير يستطيع أن يحلم بالغنى، أما المنفي فيحلم بعنوان قديم، بباب يعرفه، وبصوت يناديه من خلفه. وكان أكثر ما يرعبني أن أعتاد المنفى حتى لا أعود أعرف إلى أي مكان ينبغي أن أعود.في مساء بارد، خرجت من مكتبة صغيرة وأنا أحمل كتابين مستعارين. عند الباب اصطدمت بامرأة كانت تعبر مسرعة، فسقط من يدها كتاب ذو غلاف أزرق. انحنيت والتقطته، فظهرت أمامي بطاقة الاستعارة، وعلى السطر الأول اسم واحد:

(لونا)

رفعت رأسي، وفي اللحظة نفسها بدا لي أن باريس كلها توقفت، لا لتتأملها، بل لتمنحني وقتًا كافيًا كي أضيع فيها.كان شعرها بلون الفضة، ينسدل على كتفيها في هدوء، وكانت عيناها داكنتين كنافذتين مضاءتين في آخر الليل. لم يكن جمالها من النوع الذي يملأ المكان صخبًا؛ كان جمالًا خافتًا، يتسلل إلى القلب كما يتسلل الضوء من تحت

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح