من صنعاء إلى تعز تتبدل الشعارات ويبقى القمع واحدا

في اليمن، تعلمنا مبكراً أن نميّز بين الأعداء. أن نصنّف. أن نختار جانباً ونمضي. لكن ماذا تفعل حين تكتشف، في لحظة لا تشبه غيرها، أن الجانبين يمارسان عليك الفعل ذاته؟ تفرّ من رصاصة، فتستقبلك أخرى. تختلف في لونها، لكنها تترك في جسدك الفتحة نفسها. تماماً.
اسألوا الإعلامي مجلي الصمدي. رجل خمسيني، نازح، لا يحمل سلاحاً. سلاحه الوحيد: صوته. أطلق إذاعة في صنعاء أولاً، أرادها كلمة حرة في وجه الطغيان. فماذا فعل الحوثيون؟ أوقفوا البث. ولم يكتفوا بهذا. اعترضوه قرب منزله في حي الصافية، وانهالوا عليه ضرباً. جماعياً. رسالة واضحة لا لبس فيها: اسكت، وإلا كسرنا عظامك.
فرّ الصمدي إلى الخارج. لا بحثاً عن رفاهية، بل عن أمان صار عملة نادرة. ثم عاد. وهنا، في قرار العودة، تكمن المأساة الحقيقية. عاد إلى تعز، لا ليحارب أحداً، بل ليعيد بناء صوته من مدينة محررة كان يأمل أن تكون مختلفة. مدينة يفترض أنها تقف في مواجهة الحوثي، لا في امتداده. هناك، حاول إعادة إذاعته فمُنع. وفي ليلة الثالث من مايو، اكتشف ما هو أقسى: أن بعض المدن تغيّر أسماء جلاديها فحسب.
كتب منشوراً على فيسبوك. مجرد منشور. انتقد فيه قيادياً إخوانياً، واحداً من أولئك الذين أتقنوا صناعة الثراء من رحم الحرب، يتقاضى راتباً فلكياً من خزينة دولة مفلسة منذ عشر سنوات. الرد على المنشور لم يكن كلامياً. الرد كان كتيبة عسكرية مدججة بالسلاح، تجاوزوا البوابة. تجاوزوا السور. خلعوا الأبواب الداخلية، وتجولوا في غرف نوم الرجل. ثم اقتادوه. الصمدي الذي ضربه الحوثي بالأيدي والهراوات، استقبله الإخواني بالعسكر والرشاشات.
هنا يصمت كل شيء.
تشابه في نمط القمع بين صنعاء وتعز: الحوثي ضربك في الشارع. أما الآخر، فقد دخل إلى فراشك. المكان يتغير. الوجه يتغير. لكن الوجع واحد. والغطرسة واحدة. والإفلات من العقاب واحد.
وهنا، تسقط كل الأقنعة. لم يعد السؤال: هل أصبحوا ميليشيا؟ فذلك صار واضحاً لكل ذي بصر. السؤال الحقيقي: كيف صاروا يقلدون خصمهم في كل شيء، حتى في طريقة كسر الأبواب والدخول إلى
ارسال الخبر الى: