سام برس صنعاء القديمة حورية التاريخ وأم المدائن بقلم عادل حويس

سام برس
في قلب الهضبة اليمنية حيث تتعانق السماء مع مآذن الطين العتيقة تنهض كقصيدة حجرية كتبتها القرون بحبر الزمن مدينة لا تشبه سوى نفسها ولا يمكن للعابر في أزقتها أن يميز أين ينتهي التاريخ وأين تبدأ الأسطورة.
هناك خلف الأبواب الخشبية الموشاة بالنحاس وتحت النوافذ المزخرفة بالقمريات الملونة تسكن روح اليمن الحقيقية بكل ما فيها من كبرياء ودفء وحكمة ووجع.
صنعاء القديمة ليست مجرد مدينة أثرية نجت من تقلبات الزمن بل كائن حي يتنفس التاريخ ويحمل ذاكرة شعب كامل فوق كتفيه. فمنذ آلاف السنين وهي تقف شامخة كإحدى أقدم المدن المأهولة في العالم تتحدى عوامل الطبيعة وعواصف السياسة وتواصل سرد حكاياتها بصوت لا يخفت. يقال إن سام بن نوح هو من وضع حجرها الأول ويقال إن الملوك الحميريين مروا من هنا وإن القوافل القادمة من حضرموت ومأرب وتعز كانت تستريح في ساحاتها قبل أن تتابع رحلتها نحو الشام والحجاز. وبين الرواية والأسطورة بقيت صنعاء حقيقة لا يطالها الشك مدينة عصية على النسيان.
في صنعاء القديمة لا تبدو البيوت مجرد مساكن بل لوحات معمارية معلقة بين الأرض والسماء. ترتفع المباني الطينية متعددة الطوابق كأنها أبراج من نور وتراب مزينة بزخارف الجص الأبيض التي تمنح الجدران ملامح أنثوية رقيقة فيما تلمع القمريات الملونة عند الغروب مثل عيون تحتفظ بأسرار القرون.
هنا استطاع اليمني القديم أن يحول الطين إلى فن والحجر إلى هوية والنافذة إلى قصيدة صانعا نسيجا عمرانيا فريدا يتداخل فيه السكني بالجمالي ليعكس عبقرية الإنسان في طبع روحه على تضاريس المكان.
وإذا كانت المدن تقاس بما شيدته من عمران فإن صنعاء تقاس بما أنجبته من حضارة فمن هذه الأزقة الملتوية كشرايين الحياة خرج العلماء والفقهاء والشعراء والحرفيون وفي جوامعها العتيقة تشكل الوعي اليمني عبر مئات السنين. ويقف الجامع الكبير شاهدا حيا على عظمة الدور الحضاري الذي لعبته المدينة فهو ليس مجرد مسجد عريق أسس في عهد الرسول الكريم بل منارة علم ودين وثقافة احتضنت حلقاته أجيالا من العلماء وحفظة القرآن
ارسال الخبر الى: