صفات المنافقين وخطرهم على تماسك الأمة

منذ فجر الإسلام شكّل المنافقون خطراً داخلياً على الأمة الإسلامية لا يقل شأناً عن خطر الأعداء الظاهرين، بل إن خطرهم في كثير من الأحيان يكون أشد وأعمق أثراً، لأن العدو الخارجي معروف في عدائه ومكشوف في مواقفه، بينما المنافق يتخفّى خلف شعارات الانتماء للأمة، ويتحدث أحياناً باسم الدين أو المصلحة العامة، لكنه في الحقيقة يعمل على إضعاف الصف الداخلي وزرع الشكوك وإرباك المواقف. ولهذا السبب أفرد القرآن الكريم مساحة واسعة للحديث عن المنافقين، وكشف صفاتهم وسلوكياتهم حتى يكون المؤمنون على وعي بطبيعة هذا الخطر الكامن في الداخل.
لقد بيّن القرآن الكريم أن من أبرز صفات المنافقين موالاة أعداء الأمة وتبرير هذه الموالاة بأسماء مختلفة، مثل الواقعية السياسية أو الحفاظ على المصالح أو الخوف من التبعات. لكن القرآن يفضح هذه الذرائع ويكشف حقيقتها حين يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ…﴾، فالآيات تشير بوضوح إلى أن الذين يسارعون في موالاة أعداء الأمة إنما يفعلون ذلك بدافع الخوف وضعف الإيمان، لا بدافع الحكمة كما يدّعون. إنهم يظنون أن الارتماء في أحضان القوى المعادية سيمنحهم الأمان، غير مدركين أن العزة الحقيقية لا تكون إلا بالاعتماد على الله والثبات على الحق.
ومن صفاتهم أيضاً المخادعة والاستهتار بأوامر الله، حيث يتعاملون مع الدين بوصفه مظهراً اجتماعياً لا حقيقة إيمانية. وقد وصفهم القرآن بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ…﴾، فهم يؤدون العبادات شكلاً، لكن قلوبهم خالية من الإيمان الصادق، ولذلك يقومون إلى الصلاة كسالى، ويذكرون الله قليلاً، لأن علاقتهم بالدين قائمة على الرياء لا على الصدق.
كما يتجلى خطر المنافقين في دورهم في تثبيط الهمم وإضعاف العزائم، خاصة في اللحظات المصيرية التي تحتاج فيها الأمة إلى التماسك والصمود. فهم يسعون إلى نشر الخوف بين الناس، ويضخمون المخاطر، ويشككون في جدوى المقاومة أو المواجهة. وقد عبّر القرآن عن هذا السلوك بقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا…﴾، حيث يكشف النص القرآني الدور الذي يلعبه المنافقون في تعطيل
ارسال الخبر الى: