صحافيو غزة في الإعلام الغربي كما لو أنهم ضحايا حرب غامضة

228 مشاهدة
لم يعد استهداف الصحافيين والمسعفين في غزة حدثا استثنائيا أو صادما بل أمسى جزءا من بنية العنف ذاتها ففي 25 أغسطس آب 2025 الماضي قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفى ناصر الطبي في خانيونس ما أدى إلى مقتل خمسة صحافيين وإصابة آخرين في وضح النهار وأمام الكاميرات الصحافية مريم أبو دقة أسوشييتد برس إندبندنت عربية المصور حسام المصري رويترز زميله الجريح حاتم خالد رويترز المصور محمد سلامة الجزيرة والمصور معاذ أبو طه إن بي سي وأحمد أبو عزيز شبكة قدس فيد ولم تكن تلك المرة الأولى فهذه الجرائم مستمرة ويومية ولا يحدها شيء إلا الصدفة التي تجعل بعض الكاميرات معلقة لتلتقط هذا الموت والتضليل والتغافل عن كل الخطوط الحمراء بحق المدنيين والمسعفين والصحافيين هنا وهناك ففي مارس آذار الماضي التقطت الكاميرات بصعوبة استهداف المسعفين في مدينة رفح جنوبي القطاع حيث قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 15 مسعفا من الهلال الأحمر والدفاع المدني وسوغت الجريمة بمبررات تقنية وأمنية وتبنت جهات إعلامية عالمية من بينها أسوشييتد برس وبي بي سي وقتها خطابا يبرر الجريمة ويدفن الحقيقة على شكل تأطير مستمر لجرائم الاحتلال في غزة لكن الآن في خانيونس كانت الجريمة علنية في وضح النهار تمارس بحرفية كاملة تتجاوز القانون الدولي الذي يجرم استهداف المدنيين والصحافيين والمسعفين وعليه فهذا النمط من القتل العلني يكشف تحولا أعمق تطويع العنف وجعله ممارسة يومية طبيعية وتطبيع العالم معه عبر صمت المؤسسات الدولية والإعلامية هذه المؤسسات لا تشارك في التضليل فقط بل تمارس التخلي الأخلاقي والإنساني والقانوني مع من ينقلون لها الصورة في أصعب اللحظات وأقسى المشاهد في خبرها عن استهداف مستشفى ناصر قدمت وكالة أسوشييتد برس الصحافية مريم أبو دقة بعبارة تقنية فوصفتها A freelancer who worked for the AP صحافية مستقلة عملت مع الوكالة هذا التوصيف وإن كان صحيحا تعاقدا يختزل مسيرة أبو دقة المهنية ويضع مسافة بين المؤسسة والضحية فتتحول الجريمة من استهداف مباشر لصحافية في الميدان إلى حادث يقع خارج مهمة الوكالة وفي مقابل هذا الإطار القانوني المحايد أدرجت الوكالة في متن الخبر وصفا إنسانيا لأبو دقة باعتبارها أما لابن يبلغ 13 عاما اتخذت من مستشفى ناصر مقرا لتغطية جهود الأطباء في إنقاذ الأطفال من المجاعة لكن هذا البعد الإنساني ظل ثانويا أمام التعريف الرسمي الذي وضع في الصدارة بذلك يظهر التناقض الوكالة تعترف بعمل صحافيتها الميداني الحيوي لكنها تصر على تعريفها على أنها Freelancer في صياغة تخفف المسؤولية المهنية والقانونية عنها يكشف هذا أن الهدف لم يكن تكريم صحافية فقدت حياتها وهي تؤدي عملها بل حماية المؤسسة من التبعات القانونية والسياسية عبر تأطير القتل حادثة شخصية وليس جريمة حرب ضد الصحافة وفي الوقت نفسه بررت الوكالة الفعل بتصريحات لمكتب نتنياهو وأحالت الأمر إلى أنه قيد التحقيق ليصبح للقاتل منصة للتبرير في أكثر من زاوية في الخبر تقدم وكالة رويترز في خبرها عن قصف مستشفى ناصر نموذجا آخر لكيفية ممارسة الإزاحة الخطابية فتبدأ بتثبيت الواقعة الصادمة مقتل ما لا يقل عن 20 شخصا بينهم خمسة صحافيين يعملون لدى رويترز وأسوشييتد برس والجزيرة وغيرها ثم تقدم ضحاياها المباشرين بتوصيف تعاقدي يقصي الانتماء المؤسسي المصور حسام المصري متعاقد مع رويترز قتل قرب نقطة بث مباشر تديرها رويترز والمصور حاتم خالد متعاقد مع رويترز أصيب فيما تدرج بقية الأسماء في صياغات موازية مريم أبو دقة عملت بتعاقد حر مع أسوشييتد برس ومحمد سلامة عمل مع الجزيرة ومعاذ أبو طه صحافي حر عمل مع عدة مؤسسات وبينها مساهمات عرضية لرويترز هذه الاختيارات المعجمية Contractor Freelancer تعكس قيمة خطابية ومؤسساتية عالية فهي تنزاح بالتعريف من صحافي رويترز وكالتنا إلى عامل خارجي فتخفف تلقائيا تبعات المسؤولية المهنية والأخلاقية والعمالية على المؤسسة وتؤطر الجريمة بوصفها حادثا مرتبطأ بعقود العمل وليس اعتداء ممنهجا على حرية الصحافة وحياة الصحافيين توازيا مع لغة رويترز التي لجأت إلى توصيفات تعاقدية للصحافيين قدمت إسرائيل خطابها الرسمي بلغة الاعتذار المموه فنقلت رويترز عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله ما حرفيته تأسف إسرائيل بشدة لما وصفه بـحادث مأساوي وتقدر عمل الصحافيين والطاقم الطبي لكنها تؤكد أن حربها مع حماس هنا تتحول جريمة موثقة إلى مجرد مأساة عرضية تؤطر ضمن خطاب الحرب على حماس أما الجيش الإسرائيلي فقد أقر بالضربة لكنه غلف اعترافه بعبارات تقنية أيضا ترجمتها أن جيش الاحتلال اعترف بتنفيذ الهجوم لكنه أحاله إلى تحقيق داخلي لم تعلن نتائجه بعد وجاءت الصياغة الأوضح في بيان رسمي للجيش نشرته رويترز الجيش الإسرائيلي يأسف لأي أذى قد يلحق بأشخاص غير ضالعين ولا يستهدف الصحافيين بصفتهم هذه ويعمل على تقليل الأذى للمدنيين قدر الإمكان مع الحفاظ على سلامة قواته هذه اللغة تفتح باب الشكوك فهي تعتذر فقط عن الأذى الذي يصيب غير الضالعين بما يوحي ضمنا أن بعض الضحايا قد يكونون ضالعين كما أنها تضع المسؤولية في إطار الضرر العرضي مقابل سلامة القوات لتعيد ترتيب الأولويات حماية الجنود أولا ثم المدنيين إن أمكن هذا الخطاب يعكس استراتيجية إسرائيلية ثابتة الاعتراف بالفعل مع نفي النية والاعتذار عن الأذى وليس عن الجريمة وربط كل استهداف بالسردية الكبرى وهي الحرب مع حماس هذا كله ينسجم تماما مع لغة الوكالات الغربية التي تتبنى الحياد المضلل فتغيب صفة الجريمة ويقدم القتل حادثا جانبيا في حرب غامضة حين وصفت وكالة أسوشييتد برس مريم أبو دقة بأنها Freelancer واعتبرت رويترز أن حسام المصري وحاتم خالد مجرد Contractors أي متعاقدين بدا الأمر للوهلة الأولى تفصيلا مهنيا عاديا لكن قانونيا فإن هذه المفردات لا تغير شيئا من حقيقة الوضع فالصحافي في القانون الدولي الإنساني يعامل على أنه مدني محمي بصرف النظر عن شكل عقده أو نوع ارتباطه بالمؤسسة الإعلامية المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977 تنص بوضوح الصحافيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطيرة في مناطق النزاعات يعتبرون أشخاصا مدنيين ويجب أن يتمتعوا بالحماية العامة الممنوحة للمدنيين النص لا يضع أي شرط يتعلق بكون الصحافي موظفا دائما أو متعاقدا أو مستقلا كذلك يؤكد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة على أن تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية يعد جريمة حرب أي أن أي قصف يستهدف صحافيا في أثناء عمله الصحافي يدخل مباشرة في نطاق الجرائم الدولية مهما كانت صفته الوظيفية حتى قرار مجلس الأمن رقم 2222 2015 يؤكد ذلك إذ يشدد على أن الصحافيين والعاملين في الإعلام يجب أن يعاملوا بوصفهم مدنيين وأن يتلقوا الحماية بهذه الصفة لم يقل القرار الموظفون الرسميون بل الصحافيون عموما هنا يتضح البعد الأخطر لاستخدام مفردات مثل Freelancer وContractor فبينما لا توجد قيمة قانونية لها في منظومة الحماية الدولية إلا أن هذا النوع من المصطلحات يستخدم في الخطاب الإعلامي لأهداف أخرى فهي من جهة تمنح المؤسسات الإعلامية الكبرى نوعا من التحصين القانوني المؤسسي والمدني إذ ترفع عنها أي التزام تعاقدي مباشر تجاه الضحايا وعائلاتهم فلا يحق لهؤلاء المطالبة بتعويضات أو مساءلة مهنية كما لو كان الصحافي موظفا دائما ومن جهة ثانية تمارس وظيفة خطابية أمام الرأي العام عبر تقديم الصحافيين المستهدفين عاملين هامشيين أو مؤقتين ما يضعف من وقع الجريمة ويحولها من استهداف منظم لحرية الصحافة إلى مأساة فردية معزولة بهذا يصبح الاستخدام المتكرر لمفردات مثل Freelancer وContractor أداة مزدوجة حماية مؤسساتية من المساءلة وتطبيعا تدريجيا للعنف ضد الصحافيين عبر لغة تبدو محايدة لكنها في جوهرها تضعف الضحية وتغيب الفاعل هذا التواطؤ لم يمر من دون ردود فعل من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها فقد أعلنت المصورة الكندية فاليري زينك استقالتها من وكالة رويترز بعد ثماني سنوات من العمل معها في خطوة وصفتها بأنها نتيجة خيانة للصحافيين ارتكبتها المؤسسة التي كانت جزءا منها كتبت زينك على منصة إكس أصبح من المستحيل بالنسبة إلي أن أواصل علاقتي مع رويترز نظرا إلى دورها في تبرير الاغتيال المنهجي لـ245 صحافيا في غزة وتمكينه لم تكتف زينك بالانسحاب الصامت بل كشفت أن الإعلام الغربي لم يعد مجرد ناقل خبر بل أداة دعائية تشرعن القتل وتمنحه غطاء مهنيا فقد انتقدت بشدة نشر رويترز مزاعم إسرائيلية عن الصحافي أنس الشريف بعد مقتله معتبرة أن الوكالة تضفي الشرعية على الأكاذيب الإسرائيلية وتعيد تدويرها بلا تحقق وهو ما وصفته بأنه تواطؤ مباشر في استهداف الصحافيين وذهبت أبعد من ذلك حين قالت لم يعد بإمكاني أن أضع بطاقة الصحافة هذه دون أن أشعر بخزي وحزن عميقين وربطت استقالتها مباشرة بمجزرة مستشفى ناصر الأخيرة مؤكدة أن ما حدث كان مثالا واضحا لما يعرف بـالضربة المزدوجة إذ تقصف إسرائيل هدفا مدنيا ثم تنتظر وصول المسعفين والصحافيين لتعود وتقصف من جديد بالنسبة إليها فإن الغرب الإعلامي شريك مباشر في خلق الظروف التي تسمح بهذه الجرائم لأن وكالات مثل رويترز وصحف مثل نيويورك تايمز تحولت إلى ناقل لبروباغندا إسرائيلية تطهر جرائم الحرب وتجرد الضحايا من إنسانيتهم وتترك الصحافيين الفلسطينيين لمصيرهم لا يمكن قراءة استهداف الصحافيين والمسعفين في غزة بوصفها حدثا عابرا أو خطأ مأساويا بل إنه جزء من بنية العنف التي تسعى إلى كسر أدوات الشهادة وتحييد من ينقلون الحقيقة فبينما تتواطأ المؤسسات الإعلامية الكبرى عبر لغة تعاقدية باردة تنزع الضحايا من انتمائهم المهني يتبنى الخطاب الإسرائيلي لغة اعتذارية تقنية تحول الجريمة إلى حادث عرضي يخضع إلى التحقيق وفي كلتا الحالتين يقصى جوهر القضية قتل الصحافيين هو جريمة حرب مكتملة الأركان لا يبطلها شكل العقد ولا يخففها بيان الأسف أمام هذا النمط من التطبيع الخطابي والقانوني تصبح مسؤولية إعادة تسمية الأشياء في موضعها جريمة وليست حادثا استهدافا وليس خطأ مسؤولية وليست صدفة بل واجبا أخلاقيا وسياسيا لإعادة الاعتبار للضحايا ولمعنى الصحافة نفسها فعل مقاومة ضد الشطب والإبادة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح