شكوى الأستاذ عبدالفتاح جمال قبل أربعين عاما زيد الشامي
33 مشاهدة
رفع الأستاذ عبد الفتاح جمال شكوى إلى الله كتبها عام 1984م عندما كان مديرا عامـا لمكتب التربية والتعليم بتعز وها هو اليوم ينتقل إلى جوار ربه بعد أن سبقه المشكو بهم إلى الحكـم العدل جل جلاله وعنده تجتمع الخصوم وما يهمنا أخذ العبرة والعظـة فالدنيا لا تستحق تلك العداوات والخصام بين البشر فما الذي حدث وما سبب الشكوى وما قصة القصيدة التي صارت تاريخـا لا ينسى كان الأستاذ عبدالفتاح جمال شخصية بارزة قائدا متألقـا له حضور تربوي وأدبي وفكري وإداري وشهد التعليم تحت إدارته توسعـا كبيرا وتحسنـا ملحوظـا وصارت محافظة تعز تنافس على المراكز المتقدمة في الشهادات العامة وفي المسابقات العلمية والثقافية كان جادا في عمله حازمـا في إدارته فرض زيـا مدرسيـا محتشمـا لمدارس البنات بمراحلها المختلفة ومنع الفوضى والسياب الذي كان يقوم به بعض المسؤولين الذين اعتادوا على زيارة مدارس البنات لسبب أو لغير سبب فمنع الزيارات إلا بإذن من مكتب التربية لكنه تفاجأ بحملة شعواء ضده اتسمت بالكذب والبهتان والإسفاف والخروج عن الأخلاق والقيم والمروءة صحيفة القوات المسلحة 26 سبتمبر التي تصدر عن التوجيه المعنوي بصنعاء أعدت عددا خاصـا لتشويه سمعة الأستاذ عبد الفتاح وألصقت فيه تهمـا تطعن في عرضه وتزعم أنه يتحرش بالطالبات وأن له علاقات مشبوهة مع مديرات المدارس وانتحلوا حكايات لا يصدقها عاقل ولطخوها بالسباب والشتائم التي يخجل المرء من ذكرها وطبعوا ستين ألف نسخة من ذلك العدد المحشو بالبهتان والافتراء والحقد وحملوها على سيارتين إحداهما كبيرة وأخرى صغيرة تحركتا ليلا من صنعاء إلى تعز لكي توزع الصحيفة على أبواب مدارس البنات صباحـا كانت نسخة من الصحيفة قد تسربت إلى الأستاذ عبد الفتاح الذي تفاجأ بالأمر واستغرب ذلك الفعل المشين وخشى أن يصحب توزيع الصحيفة أعمال شغب وصدام يؤدي إلى مواجهات وفوضى وربما سقوط ضحايا قضى ليلته في بيت والده وظل يفكر بأسوأ الاحتمالات وطار النوم من جفنيه فلجأ إلى قيوم السماوات والأرض ورفع إليه شكوى حـرى نسجها بألم القهر ووجع الظلم وسطرها على قصاصة من الورق وفي الصباح كان في غاية الإعياء بسبب السهر والتفكير فجاءته والدته وسقته كأسـا من العسل الذي خلطته بالماء ثم وضعت يدها على صدره وظلت تقرأ عليه آيات من القرآن وتدعو له حتى اطمأن قلبه وذهب روعه وتبدد قلقه وشعر بحيوية كاملة فقام من بين يديها كأنما نشـط من عقال انطلق إلى مكتبه وسلم القصاصة التي كتب فيها القصيدة لمدير مكتبه فطبعها وسحبها بالاستنسل وسيلة الطباعة المتاحة حينها وعندما انتشرت كان لها أثر عظيم أكسبته تعاطفـا جماهيريـا كبيرا وكأنها صـبت ماء مدرارا على نار الزور والبهتان فأطفأتها وأخمدت أوراها وتحسبـا لأسوأ الاحتمالات وجه مديرات المدارس بأن يدخلن الطالبات إلى الفصول في ذلك اليوم من دون طابور الصباح وأن يقفلن الأبواب ولا يسمحن لأحد بالدخول وأقدار الله جعلت السيارة الكبيرة المحملة بالصحيفة تتعطل في الطريق ولم تصل السيارة الصغيرة إلا متأخرة بعد أن دخلت الطالبات إلى فصولهن فأخذوا يرمون الصحف من فوق الأسوار وفي أكثر من مدرسة وكان هذا بداية فشل المكيدة ولعل قـدر تعز أن تتوالى عليها المكائد لتسقـطـها وتـشـوه رموزها لكنها بفضل الله تنجو دائمـا وتلقف ما يأفكون كان الرئيس علي عبدالله صالح وقتهـا خارج البلاد في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدار البيضاء بالمغرب ولما رجع استدعى الأستاذ عبدالفتاح إلى صنعاء وكان قد تم إيغار صدره وعندما دخل عليه كانت القصيدة بين يديه فرفعها مغضبـا وقال ما هذا يا مدير التربية أصبحت توزع منشورات فرد عليه هذا ليس منشورا وإنما شكوى رفعتها إلى ربي وشرح له ما حدث فسأله ومن وراء هذا الأمر فسمى له مسؤولا كبيرا فقال الآن تتوقف أنت وهو عن العمل لم يقف الأمر عند التوقيف وإنما طـلـب إلى المحكمة وأحضروا شهودا يثبتون فرية الكذب الذي جاءوا به وحاول القاضي تلقينهم التـهـم واستمرت المرافعات أسابيع وعدة جلسات لكن الأستاذ لم ينهزم ولم ينكسر وظل يدافع عن نفسه ويفـنـد تلك الأكاذيب ولطف الله به فلم يجروء كل الشهود على قول الزور ولم تثبت عليه تهمة واحدة فبـرأه الله مما قاله المفترون وبعد سنوات طلب منه قاضي المحكمة المسامحة والصفح ولكن بعد أن وقع الفأس في الرأس وبدلا من رد اعتباره أبعد من عمله وعرض عليه أن ينتقل إلى باكستان ملحقـا ثقافيـا لكنه رفض ذلك حتى تظهر صفحته البيضاء على الملأ ولا يبدو كأنه قد نفـي خارج البلاد كان لا بد أن تفـنـد الأكاذيب ويفضح زيف الشائعات ولكن الصحف التي تصدر لا تسمح بنشر إلا ما يتفق مع أهدافها كنت حينها مديرا عامـا للتعليم في وزارة التربية فكتبت مقالا بعنوان من يقف وراء الأكمة وبعثته إلى صحيفة 26 سبتمبر ردا على تلك الافتراءات لكنهم رفضوا النشر حزنت ومعي كثيرون كما حزن الأخ عبد الفتاح بل تألمت وبكيت من القهر لأني شعرت بالطعنة توجه إلى صدر أخي البريء وأنا أقف عاجزا عن الدفاع عنه ولله حكمته فيبتلي عباده ربما ليرفع قدرهم أو يزيد في أجورهم ورب ضارة نافعة فعلى وقع هذه الحادثة المؤلمة جاءت فكرة إصدار صحيفة الصحوة وعندما تم التصريح لها كلـف الأستاذ عبدالفتاح جمال ليكون مديرا لتحريرها وقد بذل مع عدد من زملائه جهودا مضنية في مرحلة التأسيس حتى انتظم إصدار الصحيفة أسبوعيـا وكانت الحاجة ماسـة وضرورية لها وسدت فراغـا كبيرا وصارت مدرسة إعلامية لها حضورها الواسع في الوسط الصحفي في العام التالي جاءت انتخابات المجالس المحلية وتم ترشيح الأستاذ عبدالفتاح فنجح نجاحـا باهرا وصار رئيسـا للمجلس المحلي لمدينة تعـز وكان هذا أول رد اعتبار له من عامة الشعب وقد أبدع في رئاسة المجلس الذي شهد عصرا ذهبيـا تحت قيادته فأنجز الكثير من المشروعات التي لا تزال شاهدة على كفاءته وعطائه ومنها جسور المشاة التي عملت لأول مرة في تعز ومستشفى التعاون وهو من المباني المشهورة والكبيرة التي تؤدي رسالتها حتى اليوم وأنشأ حديقة التعاون على أرض جرداء في طريق الحوبان فقام بتسويرها وتنظيمها وترتيب ممراتها وتشجيرها وإنارتها واستورد لها ألعابـا كهربائية ضخمة من اليابان وكان ذلك عملا مبهـرا وما تزال الحديقة إحدى معالم مدينة تعز حتى اليوم كما نفـذ المجلس المحلي مشاريع إنارة الشوارع وتعبيد وسفلتة الطرق وبناء وترميم المدارس وتبنى مشاريع المياه والمجاري في الأحياء التي تحتاجها إضافة إلى تقديم المساعدات للمرضى والمحتاجين وصار المجلس المحلي بتعز مضرب المثل بين مجالس الجمهورية بعد ذلك عين وكيلا لوزارة التربية والتعليم لقطاع التوجيه وكعادته كان كفؤا ومبدعـا وترك بصمات في مسيرة التعليم وخاصة في المناهج والتوجيه والاختبارات الذي يجعلني أذكر هذا الحدث أن الألم ظل يحـز في نفس أخي عبدالفتاح وقبل ثلاث سنوات فتح لي قلبه وهو يتذكر بمرارة المكيدة الخبيثة التي نجاه الله من شرورها وأعاد لي تفاصيل كثيرة لا يتسع لها هذا المقال أما القصيدة فقد وثـقت حالة تتكرر وفترة من الزمن غادر الدنيا كثير من شهودها وستظل تاريخـا وعبرة للأجيال أما الأستاذ عبدالفتاح فمن حقه أن يخلـد في الذاكرة الوطنية فيطلق اسمه على شارع كبير في تعز أو على معلم من معالمها كأن تسمى حديقة التعاون التي أسسها حديقة الأستاذ عبدالفتاح جمال ليترحم عليه كل من زارها أو مر من جوارها والآن تعالوا بنا نقرأ الشكوى التي رفعها إلى مولاه جل جلاله وقد جاءت قطعة أدبية بديعة ومؤثرة أسأل الله أن يكتب أجره ويعوضه عما أصابه رفعة في جنات النعيم قصيدة شكوى عبدالفتاح جمال تعـــز 1984م الحمـــد لله لا نحـصــي له نعـمـا والخير ما اختاره والفضل ما يهب رضاه نرجو ونسـتهـدي بشـرعـتـه وإن تصـدى لنا الغاوون أو غضبوا ثم الصلاة على المختار سـيدنا محـمـد فضله كالغـيث ينسـكب يارب هذا يـراعـي حائر وجـل يارب هذا فؤادي ضارع وجـب يا كاشــف الضــر يا منـان يا صـمد رحماك قد مسني التجريح والكذب أشـكـو إليك أناسـا أنت تعلمـهم على المفاسد والأهواء قد دأبـوا تجاوزوا الحق والآداب ما علموا بأنهـم بعـروض الناس قـد لعــبوا وأنهــم قــد أهـانـوا كـل مؤمنــــة بما أشاعوا على الأسماع أو كتبوا وأنهم قد أغاضوا كل ذي شـــرف وعرضـوا الناس شـرا كاد يلتهـب تجاهلوا الدين والميثاق ما علموا بأن تلفـيـق ذاك الفـحـش لا يجـب والـهـفـتـاه على الأخلاق في بلدي قد شـوهـتهـا أيادي الشـر والريب وضـيـعـتـها نـفــــوس لا تقــدرهـا فأصبحت تشتكيهم وهي تنـتحب وســـلـمت أمرها في كل نائـبـة لشاعر الحـزن يبكيها فتضطرب يبكي عليـــها فلا تأســى لعبـرتـه ولا تواسيه أو تسأله ما السبب أين الأمانة والإنصـــاف قـد ذهبـا أين المرواءت أين الدين والأدب يا رب أشـكـو إلى عليــــاك مظـلـمـتي يا صاحب الفضل إن الفضل ما تـهـب