عن شجاعة الاعتراف وضرورته في سورية

26 مشاهدة

يتركّز النقاش في سورية اليوم، وبحقّ، على محاسبة من ارتكبوا جرائم القتل والتعذيب والاعتقال، ومن خطّطوا للعنف وأداروا أجهزته. لكن العدالة لا ينبغي أن تتوقّف عند أبواب السجون والمفارز الأمنية. فهناك مساحة أخرى أكثر اتساعاً وأقلّ وضوحاً، يقف فيها موظّفون ومسؤولون وتكنوقراط أمضوا سنوات طويلة داخل مؤسسات الدولة ووزاراتها وهياكل حزب البعث، ويقول بعضهم اليوم: كنا نؤدي وظائفنا، ونحافظ على استمرار مؤسسات الدولة، ونخدم المواطنين!

لكن هل يكفي أن نقول: كنت موظفاً؟

في بلد تحوّلت فيه مؤسسات الدولة، على مدى عقود، إلى جزء من منظومة سياسية وأمنية مُغلقة، لم يكن استمرار تلك المنظومة مُمكناً بالقوّة وحدها. كانت تحتاج أيضاً إلى إدارة، وقرارات، وأوراق، وتوقيعات، ومؤسّسات تعمل كلّ يوم وكأنّ الأمور طبيعية. ولهذا فإنّ الحديث عن المسؤولية لا ينبغي أن ينحصر فقط بمن أصدر أمر الاعتقال أو مارس التعذيب، بل يجب أن يفتح أيضاً سؤالاً أكثر حساسية: ماذا فعل الذين عرفوا، أو رأوا، أو أدركوا، ثم اختاروا الصمت والاستمرار؟

هذا السؤال لا يعني وضع جميع الموظفين والمسؤولين في خانة واحدة، ولا يعني أنّ كلّ من عمل في الدولة شريك في جرائم النظام. المسؤولية يجب أن تكون فردية، وأن تُقاس بالفعل والدور والمعرفة، لا بمجرّد الوظيفة أو الانتماء المؤسسي. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل العمل الوظيفي إلى جدار يحجب أيّ مسؤولية أخلاقية عن الماضي.

السوريون الذين فقدوا أبناءهم، أو عاشوا سنوات في المعتقلات، أو هُجّروا من بيوتهم، وهم لا يحتاجون فقط إلى أحكام تصدرها المحاكم. يحتاجون أيضاً إلى أن يسمعوا كلاماً لم يسمعوه طوال سنوات: نعم، ما حدث لكم كان ظلماً وجريمة، ولم يكن مجّرد خطأ في إدارة الدولة، ولا نتيجة جانبية لعمل مؤسساتها.

لا ينبغي أن يتحوّل العمل الوظيفي إلى جدار يحجب أيّ مسؤولية أخلاقية عن الماضي

قد يكون هذا الاعتراف، في بعض الحالات، أكثر أهمية من محاولة الدفاع عن السيرة الشخصية وتبرير كلّ خطوة اتخذها أصحابها.

تخيّلوا مسؤولاً سابقاً يقف أمام الناس، لا ليقول لم أكن أملك القرار،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح