يخشى نازحو غزة تكرار قسوة الشتاء وهم المشردون في خيام مهترئة تمزقها الرياح والأمواج وتتسلل إليها الأمطار والقوارض والحشرات بينما يصف سكان المنازل المتضررة حالهم بأنها أشبه بالعيش في العراء داخل خيام تمزقت واهترأت بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة يحبس مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين أنفاسهم وهم يترقبون موعد تساقط الأمطار خشية التعرض لشتاء قاس يغرق ما تبقى من أمتعتهم وملابسهم ومقتنياتهم وهم الذين يعيشون في بيئة مكشوفة وسط قطع من نايلون وقماش ويتوقع خبراء الطقس تأثر قطاع غزة اليوم الخميس ولمدة ثلاثة أيام بحالة من عدم الاستقرار الجوي حيث تنخفض درجات الحرارة وتنشط الرياح وتتساقط الأمطار التي قد تتحول إلى رعدية وفي حين تتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار يواجه سكان القطاع كارثة إنسانية تكشف مرارة العيش في خيام تآكلت بفعل العواصف شتاء وحرارة الشمس صيفا ولم تعد مهيأة لتوفير أدنى الحماية من مياه الأمطار أو الرياح أو حتى حجب الحرارة ومنع الحشرات والقوارض من التسلل إلى داخلها لا تختلف حال سكان المنازل كثيرا إذ على الرغم من وجود سقف يؤويهم تعرضت نسبة كبيرة من المنازل الناجية من الهدم لأضرار في الأسقف والجدران وقد سبق أن كشف مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن الدمار طاول أكثر من 90 من البنية التحتية في القطاع فضلا عن 300 ألف وحدة سكنية وأفاد مركز غزة لحقوق الإنسان في نداء عاجل أطلقه في 10 نوفمبر تشرين الثاني الجاري بأن نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة يعيشون كارثة إنسانية تتفاقم مع اقتراب الشتاء في ظل غياب المأوى الآمن ونقص الخيام وندرة الأغطية والملابس الشتوية وأشار إلى أن عشرات آلاف الأسر لا تزال تقيم في خيام مهترئة لا تقيهم برد الليل ولا أمطار الشتاء بينما تحرم من أبسط احتياجات الحياة بفعل الحصار واستمرار إغلاق المعابر ومنع دخول مواد الإغاثة رغم مرور شهر على بدء وقف إطلاق النار وأشار إلى أنه وفق تقديرات الأمم المتحدة هناك 1 5 مليون شخص معرضون للبرد والأمطار نتيجة تأخر دخول مواد الإيواء وأن نحو 74 من الخيام الحالية غير صالحة للسكن بسبب التآكل وسوء الجودة وأشار المركز الحقوقي إلى أن الخيام لم تعد كافية لتوفير الحد الأدنى من الأمان الإنساني داعيا إلى اعتماد الكرفانات بديلا أكثر فعالية يوفر حماية أفضل من البرد والمطر ويحد من مخاطر الأمراض التنفسية وحالات الوفاة بين الأطفال وكبار السن إلى جانب ضرورة المباشرة بتنفيذ خطة الإعمار والإيواء العاجل لمئات آلاف المشردين ولا تقتصر مأساة الشتاء على الغرق إذ تختلط الشوارع بالطين بفعل تجريفها من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتتشكل برك كبيرة نتيجة تدمير شبكة خطوط المياه وفي حديث سابق لـالعربي الجديد كشف مدير عام التخطيط في بلدية غزة المهندس ماهر سالم أنه قبل العدوان الأخير على المدينة كانت شبكة المياه المدمرة تبلغ 115 كيلومترا وخلال العدوان الأخير وصلت الخطوط المدمرة إلى 150 كيلومترا في مخيم إيواء بساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة يجلس أطفال من عائلة الكفارنة داخل خيمة صغيرة مظلمة يملؤها الذباب وقد وضعت العائلة شادرا بديلا عن قماش الخيمة الذي تمزق بفعل الاهتراء يروي جدهم رائد الكفارنة لـالعربي الجديد حجم المأساة ويقول نراقب الغيوم الملبدة وندعو ألا تمطر خشية تكرار مأساة الغرق الكفارنة الذي نزح مع بداية الحرب من بلدة بيت حانون شمالي القطاع قام قبل شهر بفك الخيام والنزوح جنوبا قبل العودة مجددا مع وقف إطلاق النار ما زاد من اهترائها وتمزقها ويقول لا تقينا الخيمة من الحر أو البرد نعيش ستة أفراد في داخلها من دون أي أغطية علما أننا قاسينا فصلي شتاء خلال الحرب إذ كنا نضطر إلى الوقوف داخل الخيمة لأيام عديدة جراء تسرب المياه إليها وفي المخيم ذاته اضطر هشام عليوة الذي تمزقت خيمته جراء القصف الإسرائيلي إلى استعمال الأغطية الشتوية لإحاطة خيمته فيما بقي رفقة أطفاله يلتحفون ملاءات خفيفة تعمق معاناتهم ويقول عليوة لـالعربي الجديد خيمتنا من القماش وهذا النوع تتسرب إليه المياه بسهولة ولم أستطع بسبب ضيق الحال شراء نايلون أو شادر كما أننا لا نملك سوى القليل من الفراش سبق أن عشنا مأساة الشتاء وكان الأطفال يصابون طوال الوقت بنزلات برد وعلى الرغم من الوعود بإدخال عشرات آلاف الخيام والشوادر لتوزيعها على أهالي القطاع قبل الشتاء لم يسمح الاحتلال بدخولها إلا بكميات ضئيلة وأدت العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة إلى تدمير أحياء واسعة من مدينة غزة ونزوح نحو 1 5 مليون شخص يتركزون في مواصي خانيونس والساحات العامة والمدارس والمنشآت الحكومية والخاصة ومنازل متضررة آيلة إلى السقوط وعند مرفأ الصيادين وعلى امتداد شاطئ القطاع على حافة الرصيف البحري تعيش الحاجة نسرين الهسي ومئات العائلات داخل خيام مهترئة وممزقة بمعظمها وتقول لـالعربي الجديد يعيش معي أحفادي ويشتد البرد عند ساعات الليل وخلال الشتاء يرتفع منسوب الأمواج وتتجاوز جدار الرصيف وتحدث صوتا مرعبا صرنا محاصرين تحيط بنا المياه من ثلاث جهات ثم تتساقط علينا الأمطار وطوال الليل لا تقوى الهسي على النوم خوفا على أحفادها الصغار بسبب تجول الكلاب الضالة بين الخيام فضلا عما يعانيه النازحون من ندرة المياه وانتشار القوارض والذباب والحشرات والأمراض بالقرب منها يعيش فؤاد سعد الله داخل خيمة شكلها من ألواح الزينكو واستخدم الشادر سقفا للخيمة وأحاطها بقطع قماش ممزق ويقول لـالعربي الجديد لا يفارقنا التفكير في مأساة الشتاء بعد أن تشردنا في العراء وعند شاطئ البحر داخل منزل بلا سقف يعيش عبد السلام موسى واقعا صعبا إذ بادر إلى الاحتماء قبل الشتاء بشادر وبعض ألواح الزينكو المثقوبة ويقول لـالعربي الجديد نحاول إقناع أنفسنا أننا نسكن في منزل لكنني لا أراه مختلفا عن حياة الخيمة كأنك تعيش في العراء بعد تضرر السقف أما أبو أحمد الذي تدمر مبناه السكني في شارع الجلاء بمدينة غزة فقد اضطر إلى إغلاق الجدران بالشوادر لكن ذلك لم يكن كافيا ويقول لـالعربي الجديد حالنا أشبه بالعيش في العراء في الليل يشتد البرد ولا يستطيع الشادر حمايتك ولعل من أقسى اللحظات ألا تشعر بالدفء والأمان داخل منزلك وغرب مواصي خانيونس التي تكتظ بالنازحين من مدينتي رفح وخانيونس تتفاقم معاناة سكان الخيام خصوصا عند الشاطئ إذ لا يتوقف سالم اصليح عن إمساك كريك الرفش لإقامة سواتر ترابية تحمي خيمته من الأمواج العاتية ويقول لـالعربي الجديد تقترب الأمواج من الخيام ولا نستطيع النوم بسبب صوتها المرعب فضلا عن الرياح القوية التي استمرت ساعة كاملة قبل أيام حيث استيقظ النازحون عند منتصف الليل وحاولوا تدعيم خيامهم بواسطة الحبال ويأسف لعدم قدرته على العودة إلى منزله المدمر في حي المنارة شرق خانيونس والواقع في منطقة الخط الأصفر وبينما دفعت الرياح القوية وأمواج البحر بالعديد من النازحين إلى الانتقال إلى أماكن أخرى لم تجد ضحى الشرقاوي بديلا عن الشاطئ وهي التي يقع منزلها في منطقة قيزان النجار شرق خانيونس والمصنفة صفراء تعيش الشرقاوي قصة أخرى من المعاناة داخل خيمة مهترئة وتقول لـالعربي الجديد الأصعب هو العامل النفسي والتفكير المتواصل في مصيرنا وسط انعدام المساعدات من خيام وشوادر وغيرها وانتفاء أي مدخول مادي وفي حين تمكن بعض جيرانها من كسوة خيامهم بالنايلون بقيت الشرقاوي مكبلة اليدين نتيجة ضيق الحال فهي عاجزة حتى عن شراء النايلون ولا خيار أمامها سوى ترقب سيناريو الشتاء المرير الذي صار يمثل عندها كابوسا حقيقيا وتضيف معاناتنا مركبة فالبحر من جهة والمطر من جهة أخرى فضلا عن الأمراض التي تصيبنا باستمرار وعن رمال الشاطئ التي تلتصق بأجسادنا طوال الوقت