شاعرات يعدن إلى المطبخ فن الاعتراف الشعري على المسرح ب البيرفورمنس
73 مشاهدة
جاء العرض الافتتاحي Back to Cozina إلى المطبخ الذي قدمته الشاعرتان المغربيتان سكينة حبيب الله ومنى وفيق إلى جانب الشاعرة الاسكتلندية موراغ أندرسون ضمن مهرجان شاعرات الذي اختتمت دورته الثانية في الرباط والدار البيضاء في الخامس من الشهر الجاري ليضع الجمهور أمام تجربة شعرية تتجاوز حدود الشعر المكتوب نحو فضاء أدائي مفتوح البيرفورمنس تتحول فيه ثيمة المطبخ إلى غرفة اعتراف ضمن بنية جمالية حية مدعومة بإسقاطات بصرية تفاعلية خلال العرض الذي أنتجته منصة لبلاب ظل السؤال معلقا هل نحن إزاء شكل من أشكال المسرح أم أمام تحول داخلي في بنية القصيدة نفسها يبدو البيرفورمنس أسلوبا ملتبسا لا يستقر داخل تصور محدد في ذهن متلق لم يعتد هذا الأداء الشعري الهجين فهو لا يقوم على التمثيل كما في المسرح التقليدي حيث ينفصل المؤدي عن النص بل إن الشاعر نفسه هو حامل القصيدة ووسيطها في آن يجسدها على الخشبة دون أن يمثلها قديما لم يكن الشعر منفصلا عن الأداء وحضور الجسد إذ تجلى كيانا واحدا حتى إن المسرح في أصله كان شعرا ومع هيمنة النص المكتوب زمن الطباعة خفت هذا التداخل دون أن يختفي تماما فقد بقي الصوت ملازما لفعل الإلقاء غير أن القرن العشرين شهد استعادة لهذا التداخل مع الحركات الطليعية كالدادائية لتتطور التجارب لاحقا في أوروبا وأميركا وصولا إلى انتشار قصيدة الأداء كما نعرفها اليوم عربيا ظل الشعر وفيا لشكله الإلقائي دون انخراط فعلي في البيرفورمنس التجريبي الحديث غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت بروز تجارب عربية بدأت تستثمر هذا الشكل التعبيري مستفيدة من خصوصيتها الثقافية واللغوية انطلقت أولى شرارة هذه المبادرة من مهرجان أفينيون في جنوب فرنسا في دورته السادسة والسبعين عام 2022 قبل أن تتسع تدريجيا في رقعة المشهد العربي كما تجلت في العروض الأخيرة التي قدمت ضمن فعاليات مهرجان شاعرات في مبادرة ثقافية احتضنها بيت الشعر في المغرب الشاعر حامل القصيدة ووسيطها يجسدها دون أن يمثلها nbsp في حوار مع العربي الجديد ترى الشاعرة سكينة حبيب الله التي قدمت قرابة ثلاثين عرضا في جولات أوروبية أن البيرفورمنس هو إعادة الشعر إلى موقعه الأول صوت الشاعر وجسده قبل أن تأتي الأقلام والأوراق ومنصات النشر وتزاحمه عليهما بل وتجعل منهما إكسسوارات تظهر في الأمسيات الشعرية فقط قبل أن تعود لتتوارى فأعظم لحظات المسرح هي حين يعود إلى أصله الشعري مؤكدة أن غياب الوسيط يمنح النص كثافة مختلفة حيث تتقدم الكلمات وهي متجسدة في صاحبها معتمدة على الصوت والصمت واللحظة الديكور نفسه لا يعود عنصرا أساسيا بل يكاد يتلاشى لصالح حضور مباشر يقوده الشاعر حتى في حال وجود عناصر أخرى على الخشبة من جهة أخرى تشير الشاعرة منى وفيق إلى ما يطرأ على بنية القصيدة ذاتها لحظة الأداء حيث يتحول البيرفورمنس إلى مساحة اكتشاف تتنفس قصيدتي بطريقة مختلفة تتحرر عبر علاقة ثنائية تنشأ من التفاعل بيني بصغتي مؤدية وبين الجمهور والمسرح نفسه فتخلق مسارات لم أكن أتخيلها لحظة الكتابة تنكشف بردات فعل المشاهدين وبذلك تتعدد صياغة القصيدة مع كل لحظة تفاعل مع الجمهور إذ لا تعود الكلمات مثلما هي في النص المكتوب شكلا ثابتا ينهي طاقتها التحولية كي يمنحها هيئة قابلة للقراءة والتداول بل تتبدل إيقاعاتها وتتحول دلالاتها بحسب ما يحدث على الخشبة ضحكة عابرة صمت ثقيل أو حتى نظرة كل ذلك يدخل في نسيج النص فيعيد تشكيله في عرض Back to Cozina إلى المطبخ اختارت منى وفيق أن تظهر على الخشبة في روب منزلي وحذاء رياضي في القدم اليمنى وآخر بكعب نسائي في اليسرى يتجاوز الحذاءان غير المتطابقين التفصيل البصري العابر أو الغرابة المقصودة إلى اعتبارهما لغة جسدية تحمل رمزية واضحة الاختلاف التناقض والمرونة تلك التفصيلة المتضاربة هي انعكاس لشخصيتها على المسرح منذ البداية وحتى النهاية توضح الشاعرة البيرفورمنس يسمح للجسد أن يضيف طبقات جديدة للنص أن يحرك المشاعر أن يخلق رموزا وفضاءات جديدة لا يستطيع النص وحده أن يفتحها فالحضور الجسدي يوسع النص ويمنحه حياة إضافية ويجعله يلامس الجمهور بطريقة مباشرة حسية وغير متوقعة إن كان الشعر يعيش في مكان آخر فإن البيرفورمنس في نظر منى يمنحه التوهج الكامل على الخشبة حيث يحتفي النص والجسد معا بأقصى درجات الحضور أما على مستوى التلقي فتكشف تجارب الشاعرتين عن اختلاف واضح بين الجمهور العربي والأوروبي إذ غالبا ما يستقبل الجمهور الأوروبي هذا النوع من العروض بوصفه تجربة أدائية قائمة على التجريب والانفتاح ما يتيح تفاعلا مباشرا وسريعا مع ما يقدم على الخشبة أما في العالم العربي فإن هذا الشكل الفني لا يزال يواجه شيئا من التحفظ بحكم حداثته غير أن هذا الحذر سرعان ما يتحول إلى تفاعل حي بمجرد الدخول في التجربة الحسية المباشرة التي يخلفها الأداء كما تبرز المفارقة أيضا في تقاطع ردات الفعل بين مرجعيتين مختلفتين جمهور لا يزال متشبثا بالكتاب الورقي بوصفه مادة أساسية للتلقي وآخر يتشكل وعيه البصري والإيقاعي عبر منصات رقمية سريعة مثل تيك توك هذا التلاقي وفق ما تشير إليه الشاعرة سكينة حبيب الله يشكل في حد ذاته إنجازا للبيرفورمنس الشعري لأنه ينجح في خلق لحظة مشتركة تجمع بين هذين العالمين المتباعدين لعل ما يكشفه البيرفورمنس الشعري حين يمنح النص بنية متحولة هو تلك الهشاشة ففي مغادرتها الصفحة وتقلبها عبر احتمالات لا نهائية بين صوت الشاعر ونفس الجمهور وارتجال اللحظة تؤول القصيدة حتما إلى حدث يعاش لكنه سرعان ما يختفي قد تستعيد الشعرية معناها الأول في هذا التلاشي تحديدا أن تقال مرة واحدة لكن في المقابل وفي جوهر هذه الاستعادة يبرز سؤال آخر ألا يمكن لتحول القصيدة من النص إلى فرجة بصرية أن يضعف من مركزية اللغة سؤال يظل مشروعا لكنه لن يلغي على الأغلب حاجة الشعرية العربية كما في غيرها من الشعريات العالمية إلى مغامرات جديدة مناخات تعبيرية بمثل هذا التنوع وتلك الأهمية