سياسة الرياض في الجنوب بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل

74 مشاهدة

في خِضَمِّ التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالجنوب العربي، وفي ظل صمت دولي مطبق يلفه ضباب المصالح وضجيج المواقف الملتبسة، تبرُز سياسة الرياض في الجنوب العربي كواحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية التي واجهتها المنطقة في تاريخها المعاصر؛ إنها سياسة لا تُختزَل في الشعارات الدبلوماسية البرّاقة التي تُسوَّق في أروقة العواصم الأوروبية، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هندسة معقدة وممنهجة تقوم على ثنائية العصا والجزرة التي يكشف النقاب عنها تقرير استراتيجية السعودية في اليمن: عصا للجنوبيين وجزرة لأوروبا المنشور في مجلة مودرن دبلوماسي، والذي وإن انطلق من منظور حقوقي قانوني أوروبي صارم، إلا أنه يقدم - برغم تحفظاته الضمنية على المشروع الجنوبي - شهادة دامغة تُثبت للعالم ما ظل الجنوبيون يصرخون به في وادٍ موحش من التعتيم والتجاهل: أن ثمة مؤامرة كبرى تُحاك ضد إرادتهم، وأن ثمة مشروعًا استعماريًّا جديدًا يُطبخ على نار هادئة في مطابخ القرار السعودي، يُراد منه طمس الهوية السياسية للجنوب وإفراغ قضيته من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى مجرد ورقة تفاوضية في لعبة أمم كبرى لا تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها إلا إذا تماهى ذلك مع مصالحها الاستراتيجية الضيقة.


إن أخطر ما يوثقه هذا التقرير - الذي لا يُتهم صاحبه ويلي فوتر بالانحياز العاطفي للجنوب ولا بالتعاطف الرومانسي مع قضيته - هو كشفه المُزلزل لازدواجية الدور السعودي الذي يجسده سفيرها وأدواته ببراعة محنكة؛ فهو ذلك الدبلوماسي الذي يجوب العواصم الأوروبية حاملًا في يمينه جزرة السلام والإعمار والوساطة، متوشحًا برداء مهندس التنمية والمشرف على بناء المدارس والمستشفيات، ليقدم للغرب خيالًا مريحًا يبرر التعامل مع نظام يمارس أبشع صور الإكراه والهيمنة، بينما تختبئ في يساره عصا غليظة من أدوات عسكرية مباشرة وغير مباشرة، تحرك قوات موالية لها في جوف الليل لتعيد تشكيل خريطة الجنوب وفق شروط الرياض لا وفق إرادة أبنائه؛ إنها استراتيجية شيطانية في دقتها، تتلخص في معادلة صادمة لا تقبل التأويل: الباب مفتوح في الرياض للتفاوض فيما الميدان مغلق في عدن وحضرموت بقوة السلاح، مما ينهك الجنوبي سياسيًّا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع عدن تايم لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح