توم سوير بعد 150 عاما أميركا الريفية كما رآها مارك توين
يمثل توم سوير بطل الرواية التي تحمل اسمه، رمزاً لمرحلة مهمة في تشكل الوعي الأميركي الحديث، في مواجهة أنظمة أبوية تقليدية ألقت بوصايتها الكاملة على المجتمع. فرواية مغامرات توم سوير التي يمرّ اليوم مئة وخمسون عاماً على صدورها، قدّمت لأول مرة صوتاً أدبياً ينبع من الحياة اليومية بلغتها ولهجتها، معلنة انتقال الأدب في الولايات المتحدة من تقليد النماذج الأوروبية إلى البحث عن ملامحه الخاصة.
كتب الروائي الأميركي مارك توين هذا العمل بين عامي 1874 و1875، في فترة كان فيها المجتمع الأميركي يحاول التخلّص من آثار الحرب الأهلية (1861-1865). إلا أنه اختار العودة بالزمن إلى أربعينيات القرن التاسع عشر، أي قبل الحرب بنحو عقدين، ليصور بلدة سانت بيترسبرغ الخيالية، المستلهمة من مسقط رأسه في مدينة هانيبال بولاية ميسوري. يمنح هذا التوقيت الرواية قيمة وثائقية؛ فهي ترصد لحظة زمنية لمجتمع ريفي يحكمه نهر الميسيسيبي، وتسيطر عليه تقاليد دينية واجتماعية صارمة، كانت تمثل القديم في مواجهة رياح التغيير القادمة.
تستبطن اختباراً لحدود السلطة في المجتمع الأميركي بالقرن الـ19
من زاوية أدبية، تكمُن ميزة توين (1835-1910) في كونه أول من تجرّأ على منح اللهجة المحلية شرعية أدبية كاملة. قبل توم سوير، كان الأدب الأميركي يقلّد الأنماط الأوروبية الفخمة والمهذّبة، لكن توين جعل من لغة الشارع لغة للفلسفة والسخرية. كما انتقل ببطله من المثالية الأخلاقية إلى الواقعية النفسية، حيث يظهر توم سوير شخصية من لحم ودم، فهو يكذب ويراوغ لو تسنّى له الأمر. هذا الانتقال جعل من الرواية مادة غنية للتحليل النفسي، حيث يظهر البطل بوصفه نموذجاً للطفل الذي يختبر حدود السلطة ليصنع عالمه الخاص.
كذلك قدّمت الرواية نقداً مبطناً لمنظومات التعليم القائمة على الحفظ والعقاب البدني، ولمّحت إلى أن الذكاء الاجتماعي يتفوق غالباً على الانضباط الصارم. هذا التمرد يتجلى بأبهى صوره في علاقة توم بصديقه هكلبيري فين، الصبي الذي يعيش خارج النظام. تعدّ هذه الثنائية بين توم (المتمرد من داخل المنظومة) وهَك (المتمرد الرافض للمنظومة
ارسال الخبر الى: