سوق المواقف الإلكترونية في ليبيا
يبدو أنّ موسم الانتقالات لم يعد مُقتصراً على دوريات كرة القدم؛ فكما يُباع اللاعبون وتُشترى ولاءاتهم بين نادٍ وآخر، صار من يسمّون بالنشطاء على مواقع التواصل يتنقلون بين أطراف النزاع ومعسكراتهم، يبدّلون المواقف كما يبدّل اللاعب ألوان قميصه، وكلّ ذلك مقابل حفنة من المال.
لقد صارت صفة ناشط، أو بالتحديد من يُعرفون بنشطاء الدفع المسبق، تدرّ المال أكثر من أيّ مهنة محترمة، ولا تحتاج لأيّ مؤهّل. سواء كنت تُجيد الكتابة والخطابة أو لا، يكفي أن تُهاجم جهة بعينها، وتتعلّم بعض الحيل لجذب الانتباه وفنون الابتزاز وسط مستنقعات التواصل اللا اجتماعي، حتى تُفتح أمامك أبواب الرزق قبل أبواب الشهرة.
كنت أعرف أحدهم معرفة سطحية. كان من أشدّ المُهاجمين لمعسكر خليفة حفتر وأبنائه، حتى حالفه الحظّ بالتواصل مع أحد أتباعهم، الذي ساعده على العودة إلى أهله. بعدها حصل على سيارة وبضعة آلاف من الدنانير، وانقلب في يومٍ وليلة من ناقدٍ شرس إلى مدربِك مُحترف. لا يمرّ يوم إلا ويُعيد نشر صورته اليتيمة مع صدام حفتر، مصحوبة بعبارات تمجيد يحاول تجديدها كلّ مرّة.
يبدّلون المواقف كما يبدّل اللاعب ألوان قميصه، وكلّ ذلك مقابل حفنة من المال
وشخص آخر يصف نفسه بالناشط الحقوقي، وهو أبعد ما يكون عنها. تنقّل بين جميع الأطراف، من قناة تلفزيونية إلى أخرى، ومن معسكر إلى آخر، قافزاً بين المراكب فقط ليظلّ في المشهد ويكسب قوت يومه. وفي النهاية، باع نفسه مرّة أخرى مقابل الفتات مثل غيره.
وأخرى كانت تقدّم نفسها مُهجّرةً. كانت تُغرق منصّة فيسبوك يومياً بعشرات المنشورات ضدّ حفتر، ثم اختفت فجأة بعد أن ارتمت في أحضانهم مقابل الأموال وبعض الأعمال التجارية البسيطة. أغلقت حساباتها بعد ذلك، وكأنّها لم تكن. وحتى من كنت أعتبره صديقاً، وكان محسوباً على الفنانين، مسح كلّ تاريخه ومواقفه في أيّام قليلة. عاش عقداً في المنفى بسبب آرائه، ثم عاد مُطأطئ الرأس ليغنّي للسلطة مقابل أمان زائف وهوان وصراع مع نفسه لن ينتهي.
وكلّما أراقب هذا المشهد، أتذكّر سوق النخاسة التي قرأنا عنها. السوق
ارسال الخبر الى: