هل تنجح سورية في تحويل السيطرة على سلة الغذاء الشرقية إلى مكاسب
72 مشاهدة
مع إعلان الحكومة السورية استعادة السيطرة على مساحات واسعة من المناطق الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية قسد عاد ملف الزراعة إلى صدارة النقاش الاقتصادي بوصفه أحد المفاتيح القليلة المتاحة لإحداث تحول فعلي في بنية اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة نجمت عن الحرب الطويلة التي دمرت معظم البنى التحتية فالشرق السوري الممتد عبر محافظات الحسكة والرقة ودير الزور لا يمثل مجرد مساحة جغرافية بل يشكل تاريخيا العمود الفقري للأمن الغذائي في البلاد والمصدر الرئيسي للمحاصيل الاستراتيجية التي افتقدتها الدولة خلال سنوات طويلة حسب خبراء زراعة لـالعربي الجديد ويطرح هذا التطور مرحلة جديدة لا تزال تدور حولها تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على تحويل السيطرة الجغرافية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة سواء على صعيد أسعار الغذاء والطاقة أو على مستوى تخفيف الضغوط عن الاقتصاد الكلي في دير الزور بدا تحرير مشروع ري القطاع السادس مؤشرا مبكرا على حجم الرهان الاقتصادي الكامن في هذا التحول فالمشروع يعد من أهم مشاريع الإرواء في شرق المحافظة ويغذي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي بقيت خارج الخدمة لسنوات اختبار المياه والأمن الغذائي وفق بيان صادر عن وزارة الموارد المائية السورية أول من أمس تحركت كوادر الهيئة العامة للموارد المائية فور تأمين الموقع بالتعاون مع المجتمع المحلي لحماية المشروع إضافة إلى تأمين محطة الصفحة ضمن مشروع جر مياه قناة الصور في حين تعرضت المحطة الثانية لأضرار نتيجة التعديات عليها خلال الفترة الماضية بسبب بعدها عن التجمعات السكانية ويمتد مشروع ري القطاع السادس على مساحة تقارب 12 ألف هكتار ويضم محطتين تحتوي كل منهما على سبع مجموعات ضخ إضافة إلى نحو 12 مأخذا على القناة الرئيسية التي يبلغ طولها 15 كيلومترا ورغم أن إعادة تشغيله الكاملة تحتاج إلى وقت وأعمال صيانة وتأهيل فإن تحرير المشروع يعيد إلى الواجهة سؤالا مركزيا حول دلالات استعادة هذه المشاريع على الاقتصاد السوري يقول المدير التنفيذي في شركة أكمافيد العاملة في مجال الإنتاج والتصنيع الزراعي مهند الأصفر لـالعربي الجديد إن المناطق الشرقية كانت تمثل قبل عام 2011 القلب النابض للزراعة السورية موضحا أن النسبة الأكبر من إنتاج القمح كانت تأتي من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور ما مكن سورية آنذاك من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض ويضيف الأصفر أن محافظة الحسكة وحدها كانت تساهم بنحو ثلث إنتاج القمح الوطني إلى جانب دورها المحوري في إنتاج القطن والشعير والمحاصيل العلفية التي تشكل أساس دعم الثروة الحيوانية مؤكدا أن هذه الكتلة الإنتاجية لم تكن مجرد أرقام بل ركيزة للاستقرار الاقتصادي سواء من حيث استقرار أسعار الغذاء أو تقليص فاتورة الاستيراد غير أن هذه القدرة الإنتاجية خرجت عمليا من يد الدولة خلال سنوات سيطرة قسد ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي ويلفت الأصفر إلى أن الدولة حرمت من الجزء الأكبر من محاصيلها الاستراتيجية حيث تراجعت الكميات المسلمة للمؤسسات الرسمية إلى مستويات متدنية فيما انخفض الإنتاج الإجمالي بفعل غياب الدعم الحكومي وتضرر البنية التحتية الزراعية وتكرار مواسم الجفاف مشيرا إلى أن إنتاج القمح في هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من الأطنان اختلالات بنيوية عميقة يأتي تحرير المناطق الشرقية في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد السوري الذي يواجه منذ سنوات اختلالات بنيوية عميقة تتمثل في ضعف القدرة الإنتاجية واتساع العجز في الميزان التجاري وتراجع قيمة العملة وارتفاع كلفة الاستيراد ولا سيما في ملفي الغذاء والطاقة وفي ظل محدودية القطاعات القادرة على إحداث اختراق حقيقي تبرز الزراعة بوصفها أحد المسارات القليلة المتبقية لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد من الداخل ويرى الخبير الاقتصادي أيمن ديوب أن أهمية ما جرى تكمن في أنه يعيد فتح نافذة على الاقتصاد الحقيقي لا على اقتصاد الطوارئ الذي فرض خلال سنوات الانقسام ويقول لـالعربي الجديد إن فقدان الدولة السيطرة على المناطق الشرقية لم يكن مجرد خسارة إنتاج زراعي بل خسارة لقدرتها على إدارة دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتسعير والدعم مشيرا إلى أن غياب هذه المناطق عن المنظومة الرسمية ساهم في تعميق عجز الميزان التجاري وزيادة الضغط على العملة الوطنية ويشرح ديوب أن استعادة الشرق إذا ما أدير اقتصاديا بشكل صحيح يمكن أن تشكل نقطة انعطاف في بنية الاقتصاد الكلي عبر تخفيف فاتورة الاستيراد الغذائي والطاقة وتحسين إدارة الدعم وتعزيز الأمن الغذائي وهي عناصر مترابطة تؤثر مباشرة في معدلات التضخم والاستقرار الاجتماعي محذرا في الوقت نفسه من أن غياب التخطيط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها داخل الجغرافيا المستعادة مكاسب مؤجلة تعتبر منطقة الجزيرة السورية ولا سيما الحسكة ودير الزور والرقة السلة الغذائية لسورية إذ تنتج سنويا أكثر من مليوني طن من القمح ما يشكل نحو 55 من إجمالي الإنتاج الوطني إضافة إلى أكثر من 500 ألف طن من القطن بما يعادل نحو 78 من إنتاج القطن السوري وتتجلى أهمية هذه المناطق أيضا في ملف التخزين إذ تضم عددا من أكبر صوامع الحبوب في البلاد بطاقة تخزينية تقديرية تتراوح بين 1 5 ومليوني طن وهو ما كان يمكن أن يؤمن مخزونا استراتيجيا يخفف تقلبات السوق ويحد من الهدر لولا خروج معظم هذه الصوامع عن السيطرة الرسمية خلال السنوات الماضية وفي هذا السياق اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن عودة منطقة الجزيرة إلى سيادة الدولة تمثل تحولا استراتيجيا ينعكس مباشرة على الموارد المالية والموازنة العامة وخطط إعادة الإعمار وأشار عبر صفحته الرسمية إلى أن الموازنة العامة لعام 2025 حققت فائضا ماليا بسيطا هو الأول منذ عقود نتيجة سياسة ضبط الإنفاق واتباع إدارة رشيدة للمال العام مؤكدا أن عودة خيرات الجزيرة من النفط والغاز والثروات الزراعية والحيوانية ستوفر حيزا ماليا يسمح بالتوسع في الإنفاق الاستثماري ويمتد الأثر الاقتصادي للزراعة والمياه إلى قطاع الطاقة إذ تفتح استعادة السدود والمنشآت الكهرومائية في الشرق والشمال الشرقي سيناريو موازيا لا يقل أهمية عن الزراعة فسدا الفرات وتشرين كانا يرفدان الشبكة الكهربائية قبل الحرب بطاقة تتراوح بين 800 وألف ميغاواط ما يعني أن إعادة دمجهما في الشبكة الوطنية قد تخفف من عجز الكهرباء وتخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي وبالرغم من هذه الإمكانات لا يتوقع الخبراء تحسنا فوريا في الأسواق إذ تحتاج عودة الإنتاج الزراعي إلى موسم كامل على الأقل وتقول مهندسة الاقتصاد الزراعي ليندا عاصي إن الأثر الإيجابي لتحرير المناطق الشرقية سيبقى في المدى القصير نفسيا أكثر منه فعليا لكنه قد يتحول إلى مكسب حقيقي على المدى المتوسط إذا أديرت الموارد بكفاءة nbsp