في رحلة الفكر الممتدة بين عراقة التراث ووهج الحداثة يتقاطع الأصيل بالحديث غير أنه لقاء لا يخلو من توتر حين يتحول من تكامل إلى صراع خفي أو من تلاق إلى خداع مقنع إن الأصالة ليست جمودا في الماضي بل وعي عميق أبدي باحتياج الإنسان والمعاصرة ليست تقليدا أعمى للطارئ بل فقه في تنزيل المتغير على الثابت لسنا هنا نقص حكايات الحي اللاتيني في باريس وأزقة سوهو في لندن ولا نفتش عن رائحة الأفيون في سطور بودلير الشيطان كما وصفه بعض النقاد الأوربيين ولا نعقد المقارنات بين طهر النبوة وضباب المدارس الوجودية ولسنا مأخوذين ببهلوانية المصطلحات وهي تنقض على التراث تحت لافتات العقل الماضوي والزحف الظلامي والتسلل الثيوقراطي التي تتكرر كصدى أجوف في كل ورقة تقدم نفسها على أنها فكر نقدي لسنا نخوض في ترهات من يحسب الحداثة ثوبا مستعارا ولا في نواح من يرثي الماضي بجمود ساذج نحن أمام معركة هوية ومرحلة استحقاق حضاري تفترض فيها الصراحة لا المراوغة والمداهنة فإن كانت الجسور بين الأفكار مطلوبة فلتكن جسور فهم لا أنفاق اختراق ولتكن جسور تكامل لا أنفاق هيمنة وإلغاء لكن حين يسخر الفريقان مفاهيمهما لخداع الآخر ومداراته لتمرير مشروعه يتحول الجمع بينهما إلى ساحة صراع فكري لا لقاء حضاري لقد رأينا كيف لبست بعض التيارات عباءة التجديد وهي تنخر في بنية النص لتجرده من روحه كما رأينا من يعطل فاعلية الشريعة باسم حراسة الموروث فيجمد الحياة ويصادم الواقع لينزوي في العزلة علمنا التاريخ أن كل أمة حاولت أن تقفز فوق تراثها سقطت في فوضى الهوية وأن كل أمة رفضت السير مع الزمان ماتت اختناقا في قوقعة الماضي وفي تاريخنا المجيد لم يكن ابن خلدون أقل أصالة حينما تحدث عن العمران والاجتماع بلغة عصره كما لم يكن الشاطبي خارج الحداثة حين فهم مقاصد الشريعة في تنزيل الأحكام علمنا التاريخ أن كل أمة حاولت أن تقفز فوق تراثها سقطت في فوضى الهوية وأن كل أمة رفضت السير مع الزمان ماتت اختناقا في قوقعة الماضي أما أعظم التجارب نجاحا فهي التي جمعت بين الوعي الراسخ بالثوابت والقدرة على التجديد في الوسائل والمنهج وفي طرائق الفهم والاجتهاد وما تحتاج إليه سورية المنهكة اليوم ليس مجرد توافقات شكلية أو مصافحات صورية بين التيارات بل تأسيس عقد وطني جديد يقوم على مصالحة فكرية حقيقية تستأصل فيها جذور الريبة وتدفن فيها شهوة الإقصاء ويستعاض عنها بثقافة التزاحم على البناء لا على الهدم وعلى الكلمة الصادقة لا الطعنة الغادرة ذلك أن غياب الوعي بمصير الأمة واستمراء النزاع على فتات النفوذ سيظل يحول دون ميلاد سورية الجديدة التي تنشدها القلوب وتنتظرها الأجيال فالأمر ليس صراعا بين حق وباطل بل مسؤولية مسؤولية الجمع بين روح توقر الأصل وعقل يبصر الواقع من دون أن يبتلع أحدهما الآخر فالمستقبل لا يبنى بخداع الشركاء بل بصدق الجمع بين ميراث الأجداد ومستجدات الزمان