سورية الجديدة 4 الطائفة المخطوفة في الساحل ماضيا وحاضرا
العجوزُ والبحر
يتقدّم بخطى بطيئة في وضح النهار على رصيف بحريّ خاوٍ. يخبط رجلًا في الأرض، ويُرخي الثانية، فتهرّ معوجّة. يحني ظهره، وكأنّه يجرّ حملًا ثقيلًا. خطوط وجهه ثمانينيّة. يلتحف بمعطف ووشاح لا يدلّان على شظفٍ أو مشقّة. يمدّ يده لللاه… أعطونا مالًا لله. حروفه تخرج متعثّرة، والرعشة تهزّ أطرافه، لكنّ عينيه متصلّبتان، لا ترفّان، البؤبؤ يتّسع ملامسًا الحدقة، والبياض ثلجيّ وضّاح. يهدج العجوز وحيدًا على رصيف مدينة جبلة في الساحل السوري، غير مبالٍ لعنصر الأمن الواقف معنا ولا للصيّاد عند الشاطئ ولا للبحر، كمن خسر كلّ شيء.
من أين أنت يا عمّ؟ من الزهيريات. وأين تقيم؟ مكان قريب. حرقوا منزلي هناك، واستأجرت منزلًا هنا. وعائلتك؟ يأخذ نفسًا عميقًا، ثمّ يحبسه، وتغرورق عينانه عندي خمسة؛ ثلاث بنات وشابان. هل أصابهم أذىً؟ يهزّ رأسه بخفّة يمينًا ويسارًا مومِئًا لا، ويمضي. نتبعه. قتلوا جيراني، رأيتهم. يريد قتلنا لأنّنا علويون. الزهيريات بلدة معظم أبنائها من الطائفة العلوية، تقع عند أطراف مدينة جبلة. شهدت اشتباكات لعدّة أيّام بين فلول النظام والقوّات الأمنية؛ أُحرقت فيها منازل، وسقط قتلى.
تعكس حالة الشيخ؛ الصدمة، الخوف، والانقسام الطائفي الحاد، ما تعيشه الطائفة العلوية (تشكّل ما نسبته 10% إلى 13% من سكّان سورية) في الساحل السوري منذ هجمات ومذابح الثامن من مارس/آذار الماضي. يتفق كثيرٌ من أبنائها الذين التقيناهم في الساحل على وصف حال طائفتهم بالمخطوفة؛ ماضيًا وحاضرًا. فقد حوّلها نظام حافظ الأسد ماضيًا إلى ذراع أمنية لحماية نظامه. وصار الجيش طريقًا للتنفّع وسلّمًا للترقّي لأبنائها، سادًّا أيّ سبيل أمامهم للعيش خارجه، إلى أن صاروا يشكّلون الغالبية في كل من الجيش والأجهزة الأمنية، خصوصاً بعد الثورة، ويقبضون على المناصب العليا. وحين وقعت الحرب، استغلّ ابنه بشار، الطائفة خزانًا بشريًا للنجاة من السقوط. وبعد سقوطه وفراره، اتخذها رجاله الفارّين من العدالة دروعًا بشرية، وأعطوا ذريعةً لثلّة من المتطرّفين المدفوعين بغريزة الثأر لأن تشنّ مذابح طائفية. في رواياتهم، يفرّق من التقيناهم بين شرطيّ سيّئ لا وجه
ارسال الخبر الى: