سورية التي أغاثتها السماء
في أساطير منطقتنا لم يكن الماء تفصيلاً في مشهدٍ على جدارية، بل كان الجدارية كلّها؛ إذ حضر مع البداية الأولى قبل تشكّل اليابسة، قبل اللغة. كان الصبر بانتظاره هو الامتحان الأخير للأرض حين تُصاب باليأس. في حكايات الرافدين القديمة، تُروى الخليقة كأنها خرجت من ماءٍ سابقٍ على الحياة، أقدم من فكرة، أقرب إلى الروح: إلى الهيولى المرفرفة على سطح الكون، مادة الوجود. في أساطير كنعان وأوغاريت لم يكن المطر حدثاً اعتيادياً، بل كان سلاحاً بيد الإله، يزيد به الخصوبة أو يرفع به العقاب. كان الغيث قراراً كونياً، ميزاناً للأخلاق، ودليلاً على أن السماء ما تزال تسمع صلوات الخطاة، تطيع وتغفر.
حين تمطر في سورية، يُستقبل المطر على الطريق من بشرٍ مهلّلين كأنهم في عرس، يحمل في نقاطه ذاك العائد إلى أصل الحكاية، إلى رحمٍ من دفء وسكينة لإصلاح كل ما عطُب. يأتي الغائب ليقيم صلةً بين أرضٍ أنهكها العطش، ووعدٍ قديم للسماء بألّا تهجر أبناءها. في هذه البلاد، لم يأت المطر يوما بصفته حدثاً عادياً؛ فالناس، قبل أن يكتبوا التقويم ويدوّنوا أرقام السنوات وأعداد الأيام والشهور، قرأوا الوقت من حركة الغيم، سمّوا الأبناء بأسماء الرعد والريح. في أساطير كنعان وأوغاريت، لم يكن بعل غير إله المطر والخصب، في مواجهته قوى القحط واليباس. مع الزرّاعين، سيرة الإله لم تكن سيرة الدين وحده، هو صراع الغيث ضد الجدب، الخصب ضد الخراب، الحياة ضد القفر. نسبةً إلى بَعل، سميت زراعتنا بعليةً، باسم إلهٍ قديم حمل في روحه زمناً كانت فيه مياه المطر مقدّسة، وأوقات هطولها مناسبةً للاحتفال والشكر. تحت سلطة بعل، زُرع القمح كما لو كان صلاةً تستعطف وتسترضي.
برواقيةٍ وبِلسان دارسٍ ومراقب، يُقال إنّ زراعتنا بعلية؛ لأنّنا نزرع تحت سلطة الغيم، ونعلّق مواسمنا على مزاج السماء. نعتمد على المطر، في علاقة ثقةٍ قديمة بين الفلاح والسماء: لا ريّ اصطناعياً، ولا ماء لأنهرٍ وبحيرات، ولا مياه تُحلّى من ملح البحر، لا شيء مضموناً؛ مقامرةٌ لا يحاسب عليها الله. كيف يحاسب المنتظر؟ فالزرّاعون في
ارسال الخبر الى: