تخوض متطوعات سوريات تجربة إزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب خصوصا أن سورية احتلت العام الماضي المرتبة الثانية عالميا في عدد ضحايا الألغام في قرى وبلدات شمال غربي سورية لا تزال الحرب حاضرة بأشكالها الأكثر خفاء عبر ألغام أرضية وذخائر غير منفجرة تحصد الأرواح بصمت وبينما يشكل هذا الخطر تهديدا يوميا للمدنيين العائدين إلى مدنهم وقراهم برزت نساء سوريات قررن الانخراط في أعمال إزالة مخلفات الحرب بغض النظر عن المخاطر والتقاليد الاجتماعية وضمن فرق الدفاع المدني السوري تشارك متطوعات في برامج المسح غير التقني والتوعية المجتمعية وصولا إلى العمل الميداني في إزالة الذخائر غير المنفجرة في تجربة استثنائية بسورية وسط بيئة شديدة الخطورة يهيمن عليها الرجال تاريخيا وتقول ريم الرحمون إحدى المتطوعات في برنامج إزالة الذخائر غير المنفجرة لـالعربي الجديد إن دافعها الأساسي للانضمام إلى هذا العمل كان الألم المتراكم من مشاهد الضحايا خصوصا الأطفال الذين فقدوا حياتهم أو أطرافهم بسبب مخلفات الحرب إذ كانت كل حادثة انفجار بمثابة إنذار شخصي دفعها للشعور بالمسؤولية تجاه حماية الأرواح لم يكن قرار الرحمون سهلا إذ واجه معارضة شديدة من عائلتها ومحيطها الاجتماعي بدافع الخوف على سلامتها وتستعيد الرحمون لحظة مؤثرة عندما طلب منها طفلها التوقف عن العمل خوفا من أن يفقدها في انفجار مفاجئ لكنها حاولت أن تشرح له أن ما تقوم به يهدف إلى حماية الأمهات والأطفال وأن منع وقوع الكارثة هو جزء من حبها له ومع مرور الوقت تغير موقف عائلتها وتحول القلق إلى دعم وفخر وترى أن العمل في هذا المجال يتطلب دقة عالية وأن النساء لسن أقل كفاءة من الرجال بل يمتلكن في كثير من الأحيان قدرة أكبر على ملاحظة التفاصيل الدقيقة وهو عنصر حاسم في التعامل مع الذخائر غير المنفجرة وعن التحديات اليومية التي تواجهها بدءا من المخاطر المباشرة في الميدان وصولا إلى الضغط النفسي الناتج عن محاولة الموازنة بين عملها الخطير ومسؤولياتها العائلية تؤكد الرحمون أنها تحاول تنظيم وقتها لتمنح أطفالها الاهتمام الذي يحتاجونه رغم شعورها المتكرر بالإرهاق لكن إيمانها بأهمية رسالتها هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار أما راما العلوش وهي متطوعة أخرى فتقول إن أصعب ما يواجهنه ليس الخطر الجسدي فحسب بل النظرة المجتمعية المسبقة التي تعتبر هذا العمل غير مناسب للنساء غير أن النزول إلى الميدان كان في حد ذاته تحديا لهذه التصورات ونتائج العمل على أرض الواقع أسهمت تدريجيا في تغيير موقف المجتمع المحلي nbsp وتضيف لـالعربي الجديد أن انخراط النساء في هذا المجال لم يعد خيارا ثانويا بل ضرورة فرضها واقع الإصابات المتزايدة خصوصا أن كثيرا من الحوادث تقع داخل المنازل أو في محيطها إذ تكون النساء أول من يلاحظ الخطر ما يجعل دورهن محوريا في التحذير المبكر ومنع الكارثة قبل وقوعها وتؤكد العلوش أن وجود النساء في فرق التوعية المجتمعية ساعد في الوصول إلى شريحة أوسع من الأهالي خصوصا النساء والأطفال الذين يترددون أحيانا في التفاعل مع الفرق بسبب الأعراف الاجتماعية لم يقتصر عمل النساء في إزالة الألغام على درء الخطر المحيط بالعائدين فحسب بل منح العائلات دعما نفسيا نظرا لدورهن في تبديد المخاوف المستمرة لدى الأهالي من تلك المخاطر وتقول مريم اليوسف من ريف إدلب الجنوبي بعد عودتنا إلى قريتنا كان الخوف من الألغام يرافقنا في كل خطوة ولم نكن نجرؤ على السماح لأطفالنا باللعب أو حتى الاقتراب من الأراضي المحيطة بالمنازل ذلك أن انتشار الذخائر غير المنفجرة جعل فكرة العودة نفسها مخيفة فكنا نشعر أن الموت قد يكون تحت أقدامنا في أي لحظة وتتابع لـالعربي الجديد عمل المتطوعات في إزالة الألغام أعاد لنا شيئا من الطمأنينة فوجود نساء يخاطرن من أجل حماية الأهالي منحنا ثقة أكبر بالعودة التدريجية إلى حياتنا الطبيعية خصوصا أن ما يقمن به ليس مجرد عمل إنساني بل إنقاذ حقيقي لأرواح كثيرة وكسر لحاجز الخوف الذي كان يلاحقنا في كل لحظة وفي هذا السياق يقول رائد الحسون رئيس عمليات مخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري لـالعربي الجديد إن الانفجارات الناجمة عن مخلفات الحرب باتت واقعا يوميا مؤلما وغالبية ضحاياه من النساء والأطفال ويوضح أن تحليل أنماط الحوادث أظهر أن عددا كبيرا من الضحايا ينتمون إلى فئات يصعب على الفرق المؤلفة من الرجال الوصول إليها بسبب الأعراف الاجتماعية ويشير الحسون إلى أن هذا الواقع دفع الدفاع المدني إلى إشراك النساء في برامج المسح غير التقني والتوعية المجتمعية ولاحقا في فرق إزالة العوائق الميدانية مؤكدا أن هذه الخطوة حققت نتائج ملموسة من خلال تحسين التواصل مع السكان المحليين والمساهمة في خفض عدد الضحايا في المناطق المستهدفة وبالتالي بدأ المجتمع المحلي يدرك الدور الحيوي الذي تؤديه النساء بعد أن لمس تأثير مشاركتهن المباشرة في جعل الحياة أكثر أمانا خصوصا للأطفال والنساء وبحسب الدفاع المدني السوري تعد مناطق شمال غربي سورية من بين المناطق الأكثر تلوثا بمخلفات الحرب إذ تنتشر القنابل العنقودية والألغام الأرضية في الحقول الزراعية وبين أنقاض المنازل وعلى مقربة من المدارس والطرق العامة وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الأراضي الزراعية في أرياف إدلب وحلب ملوثة بدرجات متفاوتة ما يجعلها من أخطر المناطق في البلاد من حيث الانفجارات العرضية ومطلع ديسمبر كانون الأول الماضي أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش بناء على تقرير رصد الألغام الأرضية 2025 أن سورية احتلت المرتبة الثانية عالميا بعد ميانمار من حيث عدد ضحايا الألغام مسجلة أكثر من ألف حالة وفاة أو إصابة وتأتي هذه الحوادث بعد عودة آلاف النازحين إلى منازلهم عقب سقوط نظام الأسد إذ تبين الانتشار الواسع للألغام في مختلف أنحاء البلاد وكشفت هيومن رايتس ووتش في تقرير سابق بتاريخ 8 إبريل نيسان 2025 أن الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب في سورية قتلت وأصابت أكثر من 600 شخص بينهم أطفال منذ ديسمبر 2024 ويعزى استمرار ارتفاع عدد الضحايا إلى تراجع التمويل الدولي المخصص لجهود إزالة الألغام وبرامج دعم الناجين