في سهول قريتي أحببت راعية
وليس عند الناس ما عندنا، فبحرنا في الحب متلاطم الأمواج، شديد المد والجزر، ولا شاطئ له. في وسطه جزيرة لم تطأها أقدام من قبلنا من المحبين، ولن تجرؤ على ولوجها أقدام من سيأتي من بعدنا؛ ها نحن اكتشفناها، وعشنا فيها. يعجز ضوء النجوم ورونق الشمس وقطر الندى وظل الغيوم مجتمعاتٍ أن تضاهي جمال حبيبتي، أو مساكننا في جزيرتنا تلك، ولا حبنا، ولا مشاعرنا.. فالفجر يبدأ بنا إجلالًا وإكرامًا، لأننا لم نهب للنوم أجفاننا! إذ الشمس عند الشروق تلف أشعتها على بيوتاتنا وكأنها تحتضننا، أو تومئ لنا أن نلف أذرعتنا على بعضنا...
حبيت يا ناس حبيت! ولم أخلني أحبُّ بعد حمامة التعزية راعيةً. ماتت حمامتي التي كنت أعشقها، ومات معها السلام الذي كنت أبتغيه في مدينتها. ضجيج الصراعات والانقسامات في مدينة تعز أخفت هديل الحمائم وطقطقات أقدام الجميلات من أزقتها، وحلّت فيها الوحوش والسباع والقطط؛ هاجرت منها العلوم والثقافة والطيور والحمائم التي لم تمت في الحرب بعد!
غادرتُ تعز حيث الدماء تنسكب بثمن بخس، غادرتها وقد استعمرها التحالف وحلّ طارق في نواحيها، غادرتها وجنحتُ صوب قريتي حيث أحب وأعيش. عدت لقريتي الواقعة شرق مدينة تعز القابعة تحت قبضة مليشيا الحوثي، عدتُ كعادتي باحثًا عن الحب والسلام؛ عدتُ لأمي، ولأشجار الربيع، وللعصافير ملونات الريش والمناقير، عدت لصباي وفجر عمري وجدولي وشاتي.
هنا صادفتُ راعيةً.. هنا في سهول وهضاب قريتي التي لم يدر في خلدي يومًا أنني سأسكنها أو أعشق إحدى بناتها. أحببتُ راعيةً لم تحمل يومًا كراسة أو قلمًا، إحدى حاملات الشريم ليس إلا. راعيةً تسري بزنتها المزركشة وسحابة الفجر إلى بئر الماء، على رأسها وظهر ماشيتها تجلب الماء كل غبش، لترويني وأهلها من كل عطش. وعند الضحى تخرج وشياهها إلى المرعى، أراها ووجهها وقد طُلي بـالهرد (الكركم) يشع نورًا أصفرَ، ولكأنها الشمس عند الشروق أو الغروب.
ولقد استطاعت بأميتها وبساطتها أن ترش روحي رشش -أو كما قال أيوب- لا سيّما وهي تحث حمارها على الخطى، قائلة كالصبايا: حي!. أسمعها حينذاك فأتصبب
ارسال الخبر الى: