سمير اليوسفي يكتب جثة في جيب المفاوض

في لحظة واحدة انكشف كلُّ شيء.
كان الوفدان — الحكومي والحوثي — على وشك التوقيع. ثلاثة أشهر من المشاورات في عمّان تحت رعاية الأمم المتحدة، وألف وخمسمئة اسم على قائمة التبادل. في تلك اللحظة رفع الحوثيون ورقةً واحدة وقالوا: «قحطان مات في غارة عام 2015».
لم يقولوا ذلك عام 2016، ولا 2018، ولا 2022. قالوه لحظة التوقيع، بعد أحد عشر عاماً.
محمد قحطان لم يكن مجهولاً. كان قيادياً بارزاً في حزب الإصلاح، ومتحدثاً للمعارضة اليمنية، ورجلاً له وجه ومكانة وملف. اختُطف في أبريل 2015، وأُودع معتقل الأمن القومي في صنعاء، ولم يُسمع له صوت بعدها. طالبت منظمة العفو الدولية بالإفراج عنه عام 2016، وحذّرت من تعرّضه للتعذيب.
وطالب قرار مجلس الأمن 2216 بالإفراج عنه صراحةً وبالاسم. ولم يحدث شيء.
الأعجب أن الحوثيين — الذين يدّعون أنه مات مطلع الحرب — ظلوا طوال هذه السنوات يُدرجون اسمه في المفاوضات، ويوقّعون اتفاقات بشأنه، ويتفاوضون على «تسليمه حياً مقابل خمسين أسيراً، أو جثته مقابل خمسين جثةً». من يفعل ذلك بميت يعرف أنه مات؟ ومن يحتاج كل هذا الوقت ليُعلن وفاة شخص احتُجز تحت سقف سجونه؟
ثمة سؤال واحد لا يحتاج روايتين: كيف يتفاوض من يدّعي أنه لا يعلم مصير رجل على تسليمه حياً أو جثةً، لسنوات متواصلة؟ التفاوض على مجهول المصير استحالةٌ منطقية — إلا إذا كان المصير معلوماً لمن يتفاوض. لهذا السبب تحديداً لا تُفيد رواية الجهل، ولا تُقنع. من يتفاوض على جثة يعرف أن هناك جثة. وهذا وحده يكفي.
الجماعة التي تُطلق صواريخها «تضامناً مع أسرى غزة»، وتُنظّم المهرجانات «نصرةً للمعتقلين»، ترفض أن تُجيب بجملة واحدة عن رجل محتجز في سجونها منذ عقد كامل. هذا ليس تناقضاً عارضاً في الخطاب — هذا كشفٌ عن طبيعة من يتحدثون باسم القضايا الكبرى بينما يُخفون جرائم في الظلام.
وما زالت روايتهم الرسمية — «مات بغارة التحالف» — تُلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر بدلاً من الإجابة عن سؤال بسيط: أين الجثة؟ لأن من يملك الجثة
ارسال الخبر الى: