عند سقاية بير راجح قصة قصير

كان ذلك يوم جمعة، الثاني عشر من سبتمبر عام 1963. كنت في التاسعة من عمري، ولا أذكر من ذلك اليوم كل شيء؛ فالسنوات ماكرة، تسرق التفاصيل الصغيرة خِلسة، ولا تُبقي في الذاكرة إلا شظايا متناثرة من مرآة قديمة انكسرت منذ زمن بعيد. غير أن بعض المشاهد ظلّت — بطريقة غامضة عصيّة على الفهم — أشدّ وضوحًا من كل ما جاء بعدها: يد أمي وهي تطبق على يدي، رائحة سعف النخيل اليابس، وطأة الشمس وهي تنسكب فوق سوق سيئون، نداءات الباعة، وقع الأقدام المتلاحق، وقصر السلطان القائم في طرف المشهد كعينٍ كبيرة تراقب السوق ولا تنام.
وهناك، في قلب ذلك كله، كانت سقاية بير راجح.
خرجنا من البيت بعد أن ارتفعت الشمس قليلًا. كانت أمي تحمل فوق رأسها حزمة من المحامل التي نسجتها بأصابعها هي وأختي زليخة من سعف النخيل. لم تكن تلك المحامل وليدة يوم أو يومين؛ فقد سرقتْ منهما أيامًا طوالًا. تقصّان السعف، وتنشرانه للشمس حتى يجفّ، ثم تنظّفانه، وتفتلانه بأصابع صبورة حتى يستحيل شرائط دقيقة، ثم تشرعان في نسجه بإصرار نساءٍ يعرفن أن رزق البيت كله معلّق في تلك الأصابع.
قالت أمي وهي تعدّل الحزمة فوق رأسها: اليوم، إن شاء الله، نبيعها كلها.
سألتها: ولماذا اليوم بالذات؟
قالت: اليوم في سيئون مطلع المطالع، والمدينة ملأى بالزوّار والغرباء.
ثم ابتسمت وأضافت: وإذا بعناها كلها، نشتري دقيقًا.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت أخفض: وإذا بقي معنا شيء... أشتري لك حاجة تحبها.
لم أسألها ما هي تلك الحاجة. كنت طفلًا، لكنني تعلّمت مبكرًا أن المال، حتى إذا دخل البيت، لا يمكث طويلًا؛ يمرّ بنا مرور الغريب، ثم يمضي.
*
وصلنا إلى السوق. كان سوق الشطف يموج بالناس موجًا. الصناديق والمحلات ممتدة على الجانبين — صندقات مهدمي ومصعب وبازمول وبافرج — ورجال بعمائم شتّى، ونساء في أثوابهنّ التقليدية، وأطفال يتسلّلون راكضين بين الأرجل، وباعة يصيحون بأصواتٍ تتشابك، وروائح الأرز والبهارات والحلوى تختلط برائحة سعف النخيل حتى صار الهواء نفسه مذاقًا.
جلست أمي
ارسال الخبر الى: