سفينة الموتى بعد مئة عام
يُرحَّل رجلٌ يدَّعي أنه مواطن أميركي أضاعَ أوراقه الثبوتية، بين بلدانٍ أوروبية عدة، من دون أن يتعاطف معه الموظفون الحكوميون الذين يصفهم بأسوأ الصفات، بسبب إدمانهم البيروقراطية والخضوع التام للنظام، بينما يحصل أصحاب الثروات على الجنسية التي يريدونها مقابل المال آنذاك. في بحثه المتواصل عن اعتراف بأميركيته، وعن عملٍ يؤمِّن قوت يومه، تتدفقُ سخرية جيرارد غيل بطل رواية سفينة الموتى.. حكاية بحار التي صدرت طبعتها الأولى باللغة الألمانية عام 1926.
سخريةٌ يوجّهها كاتب الرواية ب. ترافن في كل صوب؛ من الأغنياء الذين يقدّرون النقود حدّ عدم إنفاقها خلافاً للفقراء الذين يفتقدون مهارات التعامل معها، لأنهم يمتلكون القليل منها لفترة قصيرة؛ ومن معظم شعوب أوروبا، التي تنال حظها من النقد في تحليل شخصيتها والكراهية المتبادلة في ما بينها، في لحظة أعقبت الحرب العالمية الأولى، حيث سبَّب قادة هذه الشعوب قتل الملايين وتدمير مدنٍ وبلدات بأكملها. وجنى أرباح الحرب لصوص ورجال عصابات في مؤتمرات السلام، وتكبد العمّال وبسطاء الناس كلّ خسارات البشرية، ليُسمح لهم بعد أن توقفت المعارك، بالتلويح بالأعلام والمناديل للجيوش المنتصرة العائدة متشحة بالمجد.
لا حدود للتهكم لدى الراوي الذي يرى الدولة الحديثة تكثيفاً للطغيان والاستبداد، ويصر على مواصلة المرء ثورته حتى ينال الحرية التي لم يستفد منها سوى الرأسماليين في الغرب. لكن بحّاراً بلا بطاقة هوية سيجد نفسه في نهاية الرحلة مع بحارة يعيشون معاناته ذاتها على متن سفينة تقلّ توابيت الموتى إلى مصير مجهول.
قضى الكاتب عمره بعشرة أسماء مستعارة كل واحد منها يخفي سيرة مختلفة
سفينة الموتى لا تزال حتى اللحظة نصاً يصلح لتأمل كوارث الماضي التي تعمّقت على نحو أكثر ابتذالاً في عالم تتنازعه الليبرالية المتوحشة وانعزالية اليمين المتطرف، فيشير الكاتب في الرواية (ترجمة إقبال القزويني، دار أزمنة/ عمّان، منشورات ضفاف/ بيروت، 2014) إلى مسألة تثير الأسى حيث المهاجرون من أيرلندا مثلاً، الذين قدموا حديثاً إلى الولايات المتحدة، في ذاك الزمن، أصبحوا أكثر المتعصبين المحتكرين للوطنية النقية في وجه المهاجرين الجدد. المشهد ذاته يحكم أميركا اليوم.
ارسال الخبر الى: