أصبح أرخبيل سفالبارد النرويجي منصة استراتيجية حساسة في القطب الشمالي حيث تتقاطع فيها مصالح الأمن والسيادة وتوازن القوى وقد عززت التصريحات الأميركية بشأن غرينلاند هذا الإدراك مؤكدة أن الشمال لم يعد هامشا جغرافيا بل ساحة تنافس استراتيجية مفتوحة ورغم تراجع أزمة غرينلاند لاحقا مع جهود حلف شمال الأطلسي الناتو وعودة الحديث عن القواعد الأميركية والدرع الصاروخي في الشمال وصلت الرسالة إلى موسكو وبكين الغرب يعزز حضوره العسكري في المنطقة ما دفع روسيا والصين إلى إعادة التموضع في الشمال مع التركيز بشكل خاص على سفالبارد وفق التقييمات الأمنية النرويجية وتشير تقييمات أوسلو بشأن التهديد في أرخبيل سفالبارد إلى تحول نوعي في سلوك روسيا والصين وهي تقييمات مشابهة لما ذهب إليه جهاز الاستخبارات النرويجي بي تي أس في سبتمبر أيلول الماضي حيث أصبح الأرخبيل هدفا لأنشطة استخبارية ورمزية ذات أبعاد سياسية بعيدة المدى وتحذر الأجهزة النرويجية من أن هذه الأنشطة تتجاوز الطابع المدني والثقافي وتشكل رسائل مباشرة مرتبطة بالسياسة الاستراتيجية للمنطقة بحسب ما كشفت عنه هيئة البث العام النرويجية أمس الجمعة واندفعت أوسلو في يناير كانون الثاني الماضي إلى تعزيز حضورها العسكري والأمني في الأرخبيل وبات هاجس إبداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبة في السيطرة على الأرخبيل حاضرا في التفكير النرويجي وفقا للقناة النرويجية الأرخبيل الذي كان نموذجا للتعايش السلمي والتعاون البحثي الدولي يتحول اليوم إلى نقطة تماس حساسة في صراع جيوسياسي أوسع تغذيه ثلاثة عوامل متداخلة التوتر بين روسيا والناتو صعود الصين لاعبا جديدا في القطب الشمالي والتغيرات المناخية المتسارعة التي تعيد رسم جغرافيا الشمال أرخبيل سفالبارد يقع أرخبيل سفالبارد في المحيط المتجمد الشمالي على بعد نحو ألف كيلومتر من القطب الشمالي ويخضع للسيادة النرويجية بموجب معاهدة 1920 التي تمنح النرويج الإدارة والسيادة القانونية لكنها تتيح لأكثر من أربعين دولة حق السكن والعمل والنشاط الاقتصادي من دون تأشيرات مع حظر أي استخدام عسكري هذا الإطار الاستثنائي جعل من سفالبارد مساحة فريدة للتعاون الدولي والبحث العلمي منزوعة التوترات العسكرية لكنها معرضة لتحديات جيوسياسية مع تزايد اهتمام روسيا والصين في ظل تغير المناخ وصعود المنافسة على النفوذ والموارد يبعد الأرخبيل نحو 1000 1200 كيلومتر عن أقصى شمال السويد والنرويج و900 كيلومتر عن شبه جزيرة كولا الروسية فيما تقع أقرب نقطة من سفالبارد إلى بحر بارنتيس نحو 150 200 كيلومتر جنوب شرق الأرخبيل عند الجزر الجنوبية الشرقية مثل إدجويا ما يجعله حساسا على عتبة العمق الاستراتيجي لموسكو ويبرر خوفها من استخدامه منصة مراقبة أو إنذار مبكر لحلف الناتو وفي الوقت نفسه موقعا مثاليا لدراسة تأثير التغير المناخي على المناطق القطبية مجتمع متعدد الجنسيات في أقصى الشمال يشكل النرويجيون الغالبية في لونغييربين المركز الإداري والاقتصادي للأرخبيل بينما يتركز الوجود الروسي في بلدتي بارنتسبورغ وبيراميدن حيث تدير شركة روسية حكومية أنشطة التعدين والسياحة هذا الحضور القانوني أصبح اليوم يخضع لتدقيق أمني متزايد خاصة بعد الحرب في أوكرانيا وما رافقها من توتر بين روسيا والغرب أما الصين فيقتصر وجودها على باحثين مؤقتين في محطة ني أوليسوند ويثير هذا الاهتمام تحذيرات أمنية بسبب الطموحات الصينية القطبية والاستخدام المحتمل لمجالات البحث غطاء لجمع معلومات استراتيجية كذلك تعمل دول أوروبية أخرى بما فيها الإسكندنافية وألمانيا على متابعة النشاط الصيني من كثب في ظل تنامي التنافس الدولي على القطب الشمالي واتهامات أميركية لإسكندنافيا بأنها غير مسيطرة على الوجود الصيني وتحذر الأجهزة النرويجية من أن استعراض الأعلام الروسية وشراء معدات ذات طابع أمني وتنظيم فعاليات رمزية في بلدات مثل بارنتسبورغ تقرأ بوصفها رسائل سياسية محسوبة من منظور موسكو يشكل الأرخبيل حجر زاوية في الأمن القومي الروسي كونه عند مدخل بحر بارنتس الشريان الحيوي للأسطول الشمالي وغواصاته النووية وتصر روسيا على استمرار وجودها هناك رغم التدهور الحاد في العلاقات مع الغرب منذ 2022 الصين بوابة إلى القطب الشمالي تسعى الصين بتوثيق علاقاتها بموسكو لتعزيز وجودها في الشمال ضمن استراتيجية أوسع لترسيخ النفوذ الجيوسياسي وتأمين طرق الشحن الجديدة والوصول إلى الموارد الطبيعية عبر ما تسميه طريق الحرير القطبي الشمالي ومع ذوبان الجليد المتسارع تزداد القيمة العلمية واللوجستية للأرخبيل وعموم القطب الشمالي خصوصا استخراج الأتربة النادرة ما يثير مخاوف غربية من استخدام النشاط البحثي غطاء لأدوار استراتيجية تتجاوز العلم فروسيا والصين يعززان التعاون في القطب الشمالي عبر مشاريع بحثية مشتركة تبادل محطات البحث والتنسيق في مجالات استخراج الطاقة والدفاع عن مصالحهما في خطوة تعكس تحولات جيوسياسية عميقة قد تحدد موازين القوة في المنطقة لعقود النرويج بين السيادة والتهدئة والتغير المناخي تواجه النرويج تحديا معقدا فهي عضو في الناتو وليست في الاتحاد الأوروبي ولا يمكنها تجاهل عسكرة محيطها لكنها تسعى للحفاظ على استقرار أرخبيل سفالبارد ودرء أي تصعيد قد يهدد توازنه لذلك شددت الرقابة على بيع الأراضي والعقارات ورفعت مستوى التحذير من أنشطة التجسس في محاولة لحماية السيادة من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة وفردية مع موسكو وبكين ويساهم ذوبان الجليد السريع في فتح ممرات بحرية جديدة وتسهيل حركة السفن العسكرية والغواصات وزيادة الاهتمام بالموارد الطبيعية وبينما يرى البعض فرصا اقتصادية تحذر النرويج وخبراء البيئة من أن التغير المناخي قد يحول الأرخبيل من مختبر علمي للتعاون الدولي إلى ساحة صراع مفتوح ما يضع ضغوطا إضافية على صناع القرار المحلي والدولي اليوم يعكس أرخبيل سفالبارد صراعات القرن الحادي والعشرين النفوذ الموارد طرق التجارة تفسير القانون الدولي في عالم متغير مناخيا وسياسيا بين روسيا التي تحمي عمقها الاستراتيجي والصين الباحثة عن موطئ قدم قطبي والغرب الذي يعيد حساباته الأمنية تحاول النرويج الحفاظ على الأرخبيل منطقة سلام في زمن أصبح فيه السلام في القطب الشمالي استثناء لا قاعدة وسط سباق عالمي متسارع للهيمنة فيه