سعيد يقطين عن المقدمات التي تشكل عتبات على أبواب كتابات
65 مشاهدة
يبلور الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين في عمله الجديد عن الكتابة والاستضافة عتبات على أبواب كتابات دار الآن ناشرون وموزعون 2026 تصورا دقيقا للكتابة باعتبارها ممارسة تتجاوز حدود الإنتاج الفردي لتندرج ضمن شبكة من العلاقات الإنسانية والمعرفية التي تمنح النص امتداده الحقيقي لا يتقدم هذا التصور في صيغة تنظيرية مجردة وإنما يتشكل تدريجيا من خلال تجربة ممتدة تتقاطع فيها القراءة المبكرة والوعي السياسي والانخراط الثقافي مع فعل الكتابة نفسه بوصفه فعلا ذا حمولة أخلاقية منذ الصفحات الأولى تنشغل المقدمة بتفكيك طبيعة العلاقات بين المثقفين حيث يتجاور التنافس الحاد مع أشكال من التقدير العميق هذا التوتر يعرض باعتباره عنصرا كاشفا عن طبيعة الحقل الثقافي حيث تتداخل الاعتبارات الفكرية بالإيديولوجية وتتحرك الغيرة في خلفية المواقف المعلنة داخل هذا الأفق يستعيد يقطين تقاليد ثقافية راسخة مثل التقريظ والإهداء والشكر بوصفها أشكالا من الاعتراف المتبادل قبل أن يركز على مفهوم الاستضافة الذي يمنحه دلالة خاصة تتجاوز المعنى التداولي إلى معنى ثقافي مركزي الاستضافة كما تتبدى في الكتاب صيغة من صيغ تقاسم المسؤولية بين كاتبين مضيف يفتح نصه لغيره وضيف ينخرط في تقديمه دون أن يفقد استقلاله هذا الوضع المركب يفرض نوعا من التوازن الدقيق بين التقدير والاختلاف ويجعل من المقدمة فضاء لإنتاج معرفة موازية تضيف إلى النص الأصلي بدل أن تكتفي بتقديمه بهذا المعنى تتحول العتبة إلى موقع دلالي قائم بذاته يساهم في توجيه القراءة ويكشف عن أبعاد قد لا تنكشف في المتن مباشرة يتجسد هذا التصور عمليا في البنية العامة للكتاب الذي يجمع مقدمات كتبت في سياقات متباعدة وتوزعت على مجالات متعددة في الدراسات تحضر الترجمة باعتبارها فعل عبور بين لغات وثقافات وتستعاد مفاهيم السرديات والسيميائيات ضمن نقاش نقدي يلامس الرواية العربية في تحولات مرجعياتها وأسئلتها وفي النقد الروائي تتقاطع قضايا التخييل التاريخي مع إشكالات ما بعد الاستعمار بما يعكس انشغالا بأسئلة الهوية والتمثيل هذا الامتداد المعرفي يتجاور مع الإبداع حيث تتعدد الأجناس بين القصة والرواية وتتباين التجارب بين كتاب من المغرب ومحيطه العربي بما يشمل أعمالا مثل لنبدأ الحكاية لمليكة نجيب والمكتب 18 سيرة موظف جامعي للعربي قباب ورواية ميلودة ورواية هيلانة لعلي أفيلال والقوقعة لعبد الله الغزال وآخر سكان دمشق لبسمة شيخو ومطبخ الحب لعبد العزيز الراشدي وحداء الروح لناجي الأمجد وبديعة وفؤاد لعفيفة كرم ما يمنح الكتاب طابعا حواريا متنوعا ومفتوحا بين النصوص والإبداعات المختلفة ضمن هذا المسار تكتسب الثقافة الشعبية حضورا لافتا عبر استحضار الحكاية الشفاهية والأمثال وفنون الأداء الجماعي بما يكشف عن وعي بأهمية الذاكرة الثقافية في تشكيل الذائقة واللغة كما يواكب الكتاب التحولات الرقمية من خلال مقاربات للنص التفاعلي والسرد الوسائطي حيث تتغير شروط الإنتاج والتلقي وتعاد صياغة العلاقة بين الكاتب والقارئ يقارن بين مقدمات كتبت في سياقات أدبية ومجالات مختلفة تشكل تجربة سعيد يقطين الشخصية خيطا ناظما يربط مختلف مداخل الكتاب القراءة منذ الطفولة أرست لديه فهما حساسا للكلمة ولقدرتها على نقل المعنى وبناء الفكر كما يذكر في مقدمته هذا الوعي المبكر تلاقى مع إدراكه للواقع الاجتماعي والسياسي إذ لاحظ التفاوتات وعدم المساواة فانسجمت الكتابة في ذهنه مع مسؤولية أخلاقية تتجاوز حدود إنتاج النص لتصير وسيلة للتفاعل مع المجتمع وفهمه الانخراط في العمل الجمعوي وحضور الملتقيات الثقافية وضعه في مواجهة مباشرة مع تجارب الآخرين ومنح الاستضافة بعدا عمليا هذا الفعل الجماعي للكتابة يظهر في كل أبواب الكتاب من الدراسات والترجمات إلى النقد الروائي ومن الإبداع إلى الثقافة الشعبية وصولا إلى الكتابة الرقمية حيث لا يقتصر النص على كونه مادة للقراءة فحسب فهو مشارك في صياغة تجربة ثقافية مشتركة تجعل القارئ شريكا في عملية البناء المعرفي الاستضافة هنا تمنح النص أفقا جديدا إذ تعاد قراءته في ضوء تفاعل الآخرين ويثري الحوار الإبداعي والفكري بوجهات نظر مختلفة بما يعكس التزام الكاتب بالمسؤولية أمام نصه وأمام من يقرأه