من سطوح طهران إلى شوارعها إيران كما ترويها الأمكنة
199 مشاهدة
يعيد الأدب رسم صورة الإنسان لا كما نراه في السياسة أو التاريخ بل من خلال تفاصيله الصغيرة وهشاشته الخفية وأحلامه وفي الرواية الإيرانية تحديدا يغدو المكان مرآة للناس ويومياتهم وأفكارهم وأحلامهم لا مسرحا للصراع الأيديولوجي فقط فالسماء والسجون وحتى الأمكنة المتخيلة تعيد تشكيل حضورهم الذي لا ينتبه إليه كثيرون nbsp حين يسقط الحلم من السماء إلى الأرض في رواية سطوح طهران للكاتب الإيراني الأميركي مهبد سراجي دار كرمة ترجمة إيناس التركي 2025 يستخدم المؤلف السطح مكانا لاكتشاف الحياة من الأعلى إذ يطل منه بطل الرواية باشا شاهد وينظر إلى مزيج من التناقضات التي تفرضها ظروف اقتصادية وسياسية وسط اضطرابات اجتماعية أخذت تهز إيران في عهد الشاه قبل سنوات قليلة من ثورة 1979 فوق السطح يشعر باشا بالثقة حيث يلتقي غالبا صديقه أحمد ويطلق أفكاره التي تعلمها من الكتب والروايات من دون حواجز فالمكان بوصفه مرتفعا عن الأرض يوحي بقرب البطل وأفكاره من السماء التي تحمل معاني الاتساع والحرية والسكينة أما العنف فموجود على الأرض وفي الشوارع ففي أولى تجاربه مع الآخرين يستخدم باشا قوته للدفاع عن صديقه فيضرب زملاء له ضمن مشاجرة وحين يعاتبه والده يقول إن لم يضرب الأقوياء الضعفاء فمن سيضربون إذن ومن خلال هذه الجملة تتجسد رؤية الرواية التي تحاول تصوير جيل منتصف السبعينيات من الإيرانيين الشباب الذين اكتشفوا أن تحقيق الأحلام مهما كانت بسيطة يحتاج إلى قوة كبيرة nbsp تجتذب الأعوام الأخيرة من حكم الشاه اهتمام الروائيين الإيرانيين بعد هبوط باشا شاهد من السطح إلى الزقاق تبدأ قصة إعجابه بالفتاة زاري المخطوبة لشاب يلقبه أهل الحي بلقب الدكتور وهو طالب علوم سياسية يعقد صداقة مع باشا ويكون سببا في اكتشافه الفرق بين السماء والأرض أي بين الأحلام والواقع وبمرور الزمن بينما يقف باشا على سطح المنزل وينظر إلى الشارع يرى الدكتور هاربا من رجال السافاك ليدخل منزل زاري ويختفي هناك لكن نظرة باشا المرتبكة إلى البيت لحظة وصولهم تجعلهم يكتشفون مكانه nbsp يتعرض الدكتور للتعذيب والإعدام ثم تقوم زاري بإحراق نفسها أمام موكب الشاه اعتراضا على ما حصل لخطيبها وذلك في اليوم الأربعين بعد إعدامه أما باشا شاهد فإنه يلوم نفسه معتقدا أن نظرته قتلت صديقا مما يؤدي به إلى المصحة النفسية ثم إلى السفر خارج إيران في نهاية المطاف بعد أن أصبح العالم الذي راقبه بدهشة وفرح مليئا بالحزن والألم من خلال عيني باشا شاهد وأصدقائه وجيرانه جسد مهبد سراجي معالم الثقافة الشعبية وتقدير الناس للصداقة والمحبة أيا كانت الظروف مظهرا جانبا خفيا من الحياة في إيران عبر أحلام وطموحات أشخاص بسطاء امتزجت تجارب حياتهم لتجسد جانبا من البيئة الاجتماعية الإيرانية nbsp وطن يختزله سجن يختلف المكان في كتاب رسائل إلى معذبي الحب الثورة والسجن في إيران مركز المحروسة ترجمة ماجد عاطف 2024 إذ يختار الكاتب هوشنغ أسدي السجن مساحة لتشكيل عالمه الروائي من خلال سيرته الذاتية التي يسردها بأسلوب روائي تسجيلي على شكل مجموعة من الرسائل الموجهة إلى جلاده واسمه حميد وعبر ذكرياته مع حميد الذي كان يعذبه في السجن يكشف أسدي عن التنوع السياسي والاجتماعي والفكري لدى الطبقة المثقفة في إيران وبصورة مختلفة عن رواية سطوح طهران نتعرف على أسدي تحت الأرض وهو يحاول فهم سبب سجنه على أيدي رجال أيد ثورتهم ضد الشاه فهو يدرك أنه يختلف مع قادتها في الفكر لكنهم أبناء وطن واحد يفترض أن يتسع للجميع ومن ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى يستعرض خلالها سجنه خلال فترة حكم الشاه ولقاءه آية الله علي خامنئي الذي كان رفيقه في الزنزانة نفسها وكان كما وصفه رجلا طيبا وذكيا ومحبا للأدب والشعر وقادرا على الاستماع إلى آراء الآخرين إضافة إلى التعاطف الذي كان يظهره تجاه الأشخاص الذين يقبعون ظلما في سجون الشاه أيا كانت انتماءاتهم السياسية أو مرجعياتهم الثقافية تشكل استقطاب الشباب الإيراني بين التراث والحداثة ثيمة أساسية nbsp يثير أسدي عبر رسائله عدة تساؤلات تجاه مواقف الثوري الذي يصبح قائدا فيتخلى عن دوره في مكافحة الظلم والقمع وتجاه السلطة التي تعبر عن ثقتها بسياساتها عبر الشعارات الوطنية والمظاهر العامة للقوة لكنها تهاب في الوقت ذاته صحافيا كان نائب رئيس تحرير واحدة من أكبر صحف إيران فتسجنه وفي النهاية يكشف المؤلف أن المكان يصبح أداة للسيطرة على الجسد والعقل أيضا إذ بعد دخوله السجن مرتين في عهدين عهد القمع وعهد الثورة بقيت أفكاره وذكرياته حبيسة حتى بعد خروجه من إيران نهائيا وهذا ما قاده إلى الكتابة عن المكان الوحيد الذي سمح له بالبقاء فيه حين كان في وطنه nbsp nbsp nbsp المكان المتخيل وسطوة الرقيب في حين تتخذ كل واحدة من الروايتين مكانا مختلفا لأحداثها الرئيسة فإن مكانا ثالثا ربما يكمل هذه الرؤية وهو المكان المتخيل الذي تجسده رواية قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب منشورات الجمل ترجمة خالد الجبيلي 2011 تركز nbsp رواية الكاتب شهريار مندني بور على كاتب يريد تأليف قصة حب بين شابين لكنه يقع دائما تحت مقص الرقيب الذي يطلب منه استبدال عدة أفكار وجمل وكلمات وأحداث حتى تتناسب مع المجتمع الإيراني الذي يحدد الرقيب أخلاقياته وذائقته إلى أن يضطر الكاتب وهو أحد شخصيات الرواية إلى قتل الحبيبين وإنهاء حكايتهما nbsp ينجح شهريار في روايته بإظهار تغلغل الطقوس الدينية في الحياة العامة كما يصور مشكلات الشباب الإيراني الواقع في معضلة بين الحفاظ على التقاليد والتمسك بالقيم الوطنية وبين طموحاته في امتلاك حق التغيير لاكتشاف الحياة والعالم من دون قيود أما المكان فإن الكاتب يتخيله عدة مرات محاولا أن يجعل منه بيئة مناسبة للفرح والجمال ونجاح قصة الحب بين بطليه لكنه لا يفلح في هذا لأن الرقيب يقتحم خياله ويعيد تشكيل الأشياء بطريقته فيما يستعين الكاتب بقصائد بعض الشعراء الفارسيين الكبار لإنجاح حكايته في إشارة إلى تنوع الأدب الإيراني وامتداد جذوره في تصوير الإنسان بوصفه مرآة تعكس المكان وتعبر عنه بصورة أكبر