من الذي سرق ذاك الشيء

27 مشاهدة

في المحصلة، يدعو الظرف السوري إلى التفاؤل. يبدو المشهد هكذا: بلدٌ تخلّص من طاغيته. بنيته مفتوحة للاستثمار. شبابه متعطش للمعرفة ولخوض سوق الأعمال. شعبه فتيّ. طلابه، بمستواهم المعرفي، لا هم الأسوأ ولا الأفضل، لكنهم يبرعون مثل أي شاب وُضع في الظرف المناسب. شباب فتيّ بحاجة إلى كل شيء وإلى أي شيء.
مع ذلك، لماذا لا يجرؤ أحدٌ فينا أن يتفائل؟ من الذي سرق فرحة السوريين؟ وما الذي نفى إمكانية الفرح أساساً؟
أحبّ البلاغة. أحبّ اللغة لأنها تضع الأفكار في موضعها الواضح. تؤطّرها كي لا تخاتل ولا تُغلَّف بسكر الكلام. لو سُئلت: من سرق تلك الفرحة؟ لأجبتُ من دون رفّة قلب أو ثانية تردّد: الطائفية. قد ندور. قد نخاتل. قد نجمع عناصر المصالح. نلمّ فتات الروايات السياسية. نتحدث عن وطنياتٍ مؤجَّلة. نتحدث عن أحزاب وتجمّعات. نتحدث عن إدارات طموحة. نتحدث عن وصفات حارّة أو بائتة للسلم الأهلي. سنلفّ وندور. سنعود إلى حضن سارقنا، خجلين من أن نُدلّ عليه. نعم، كلّنا طائفيون يا عزيزي. نتمنى، في مكانٍ ما داخلنا، أن يموت الكل شرطَ ألا يكون نحن.
من هنا يبدأ الكلام الحقيقي. الطائفية في سورية اليوم تبدو رأياً، أو توجّهاً ثقافياً، أو مجرّد سوء فهمٍ تاريخيّ. تحول إلى فعل. صارت دماً يسيل. صارت سكيناً لا تتعب من تكرار ما تجيد: الذبح.
في حمص، كل ما احتاجه الأمر: لحظة وضوح فاجر. مسجد يعرفه الأهالي جيداً، ويعرفون لماذا يُسمّى هكذا. ثم وقع الانفجار فوق أجساد عُزّل. حين ماتوا، فعلوا كما كل المخلوقات، تألموا، نزّت دماؤهم. الموت لم يسألهم بمن يؤمنون، ولا عمّا فعلوه في حياتهم. الاسم لم يكن كافياً. كانت الهوية كذلك. الموت لم يختَرهم بما هم أفراد، بل بوصفهم جماعة.
وعندما أتى بيان التبنّي. جاء بارداً، مقتضباً، القتل فيه مجرد إجراء احترازيّ، فعل اعتياد، وإعلان هوية. هكذا هي الطائفية حين تكتمل. لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى تبريرات كبرى. يكفي أن تقول فعلتُ ليحلّ صمتٌ ثقيلٌ في قلوب المتفائلين، ويرافقه الخوف. من هناك، من

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح