سبتة ماذا تقول الصنادل العائمة فوق مياه المتوسط
إلى أي هاوية ننزلق؟، ذلك هو السؤال الذي أجاب عنه التشكيلي المغربي عبد الله بلعباس، في لحظة مفعمة بالاندفاع والحماس، من خلال لوحة فنية أطلق عليها الصندل يكتب يومية الرحيل؛ وهي مستمدة من مشهد آلاف الصنادل العائمة التي تركها خلفهم آلاف الشباب والشيوخ والأطفال الذين اندفعوا باتجاه المنفذ البحري الذين اعتقدوا أنه سيقودهم نحو الضفة الأخرى.
الصنادل تحكي آلاف القصص الحقيقية والممكنة التي تترجم بشيء من التمعن ما وراء الاجتياح الذي تعرضت له مدينة سبتة المحتلة. كل صندل عائم يروي ببلاغة مفرطة، وعلى نحو لاذع، حياة مستقلة تعتصر الكثير من التفاصيل في أوردة صاحبها. أما الكثافة الديمغرافية للهاربين فهي التي تضعنا أمام واقعة اجتماعية كثيفة الدلالة. كل هؤلاء ذهبوا لصيد حياة أخرى حد التورط في الغرق. ليس هناك صلح تام، ما دام الهروب الجماعي يكشف دون هوادة شعوراً جماعياً بأن المصعد الاجتماعي معطل، وبأن البقاء يعني إعادة إنتاج المصير نفسه جيلاً بعد جيل. خاضوا في البحر بأحلامهم وتركوا الصنادل تحكي عنهم رغم الازدراء الوقح للآخر، لأن النداء هو واجب التصدي للانسداد وعدم المداهنة معه. استجابوا كلهم لمنطق جماعي واحد للخروج، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضاً، ولم يجمعهم تنظيم موحد أو حزب معارض. هذا ما يسميه إميل دوركايم الوقائع الاجتماعية، أي تلك القوى غير المرئية التي تدفع الجماعات البشرية إلى أنماط متشابهة من السلوك (يأس المضطر).
صعوبة تأويل هذا الفعل رغم أن العابرين بدوا كأنهم جسد واحد
فمع أنهم اندفعوا جماعياً نحو سبتة، فإن الراغبين في عبور المياه والأسيجة لا يحملون جميعاً القصة نفسها. قد يوحدهم الفعل، وقد يكون الخنجر غير المرئي المغروس في خواصرهم هو نفسه، لكن الأسباب التي دفعتهم إلى خوض تجربة العبور تظل متعددة ومتباينة. هناك من يبحث عن فرصة عمل، وهناك من يهرب من الفقر، وهناك من يرفض وضعاً اجتماعياً يراه مهيناً، وهناك من يسعى إلى تحقيق حلم شخصي، وهناك من ينجذب إلى قدرية بالألوان في مكان آخر، وهناك من تدفعه رغبة في الارتقاء عبر
ارسال الخبر الى: