سام برس حين يرحل المسؤول

37 مشاهدة

بقلم/ هالة بدري
سيأتي يومٌ نغادر فيه مكاتبنا للمرة الأخيرة. تُرفع أسماؤنا عن الأبواب، وتنتقل صلاحياتنا إلى آخرين، وتمضي المؤسسات في مسيرتها، وتتوارى مع الأيام تفاصيل قراراتٍ ظننا يوماً أنها ستبقى حاضرةً في ذاكرة الجميع.
لكن ما الذي سيبقى منا حين تتوارى الألقاب، وتهدأ ضوضاء المسؤولية، ولا يعود أحدٌ بحاجةٍ إلى توقيعنا أو موافقتنا؟
هل سيتذكرنا الناس لما كنا نملكه من سلطة، أم لما كنا نمنحه لهم من قيمة؟
قبل أيام، عشت موقفاً جعلني أتأمل هذا السؤال على نحوٍ مختلف.
في زيارة لإحدى المؤسسات الحكومية التي شهدت تطويراً شاملاً لمرافقها وخدماتها، رافقني المسؤول في جولةٍ للاطلاع على ما أُنجز. كانت التحسينات لافتة، والعناية بالتفاصيل واضحة، والحرص على الارتقاء بتجربة المتعاملين ملموساً. لكن أكثر ما استوقفني لم يكن جمال المكان، ولا حجم ما تحقق من تطوير.
كان شيئاً لا يُشترى بالمال، ولا يُصنع بقرارٍ إداري: المحبة الصادقة التي رأيتها في وجوه الناس.
فبينما كنا نتنقل في أروقة المؤسسة، كان الموظفون والمتعاملون يبادرون إلى تحية المسؤول، من موظفي الحراسة إلى كبار المسؤولين. لم تكن تحياتهم مجرد مجاملاتٍ يفرضها المنصب، بل كانت تحمل ألفةً عفوية، وتقديراً يصعب تصنّعه. والأجمل كان أسلوبه في الرد على كل واحدٍ منهم، بابتسامةٍ صادقة، واهتمامٍ شخصي، ومودةٍ لا تختلف باختلاف الوظيفة أو المكانة.
لقد بنى هذا المسؤول شيئاً لا تستطيع المؤسسات أن تشتريه، ولا تستطيع المناصب أن تفرضه: علاقةً إنسانية تقوم على الاحترام المتبادل، وتبقى قيمتها حتى حين تتغير المواقع والألقاب.
وغادرت المؤسسة وأنا أفكر أن المباني يمكن تجديدها، والخدمات يمكن تطويرها، والأنظمة يمكن تحديثها، أما المكانة في قلوب الناس فلا تُبنى بالميزانيات، وإنما بالمواقف، ولا تُفرض بالسلطة، وإنما تُكتسب بالاحترام.
وكلما امتدت بنا التجربة في مواقع المسؤولية، أدركنا أن للنجاح معاني تتغير مع الزمن. ففي البدايات، قد ننشغل بإثبات قدراتنا، وتحقيق طموحاتنا، وبناء سيرتنا المهنية. لكن مع نضج التجربة، يصبح السؤال الأهم ليس إلى أين وصلنا؟ بل من اصطحبنا معنا في رحلة الوصول، ومن ساعدناه ليبلغ أبعد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح