سام برس عشر ذي الحجة وصناعة الإنسان الإيماني 1

بقلم/ الدكتور حسن حسين الرصابي
قراءة في كتاب فضائل العشر الأول من ذي الحجة لمؤلفه العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
تتحرك الأيام في فلك الزمان برتابة يكسرها الخالق سبحانه بمحطات استراتيجية للروح، تتكثف فيها الأنوار وتتضاعف فيها العوائد الروحية. وليست العشر الأول من ذي الحجة مجرد أرقام في تقويم العام، بل هي هندسة إلهية للزمن، تمنح الإنسان فرصة إعادة تشكيل الذات وتطهير الوجدان. إنها تسعة أيام من الاحتشاد الروحي البناء، يتوجها اليوم العاشر بيوم النحر؛ لترسم خط سير متكامل من المجاهدة إلى البلاغ.
### المنظور القرآني: قَسَمُ الوجوب وميقات الاصطفاء
حين يقسم الخالق بالزمن، فإنما يوجه بوصلة الانتباه الإنساني إلى عظمة المشهود. في قوله تعالى: *{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}*، نلمح إشارة كونية تلخص بزوغ الأمل بعد ظلمات الغفلة؛ فالفجر إيذان بميلاد يَقَظة جديدة، والليالي العشر —التي استقرت قناعات جمهور المفسرين على أنها عشر ذي الحجة— هي وعاء زمني مشحون بالرحمة الساكنة التي تفتح السماء للمتبتلين.
هذه الأيام ليست هامشية في تاريخ النبوات، بل هي امتداد لعهود الاصطفاء؛ ففي قوله تعالى: *{وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}، تتبدى لنا هذه العشر كمتمم لميقات التجلي والتكليم، وكأنها الجرعة الروحية المكثفة التي تؤهل الروح للقاء المعرفة الإلهية. ومن هنا، يأتي التوجيه القرآني الصريح بالاستثمار الواعي لزمنها من خلال قوله تعالى: *{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}**، ليكون الذكر هنا ليس مجرد حركة لسان، بل إعلان حالة استنفار روحي واحتشاد إيماني تجمع بين شكر النعمة وتجريد التوحيد.
هندسة العبادة في السنة النبوية
في المنهج النبوي، تصبح هذه الأيام ذروة سنام الفضل الزمني. لم يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مساحة للتردد في اقتناص هذه الفرصة، بل وضعها في أعلى هرم الأفضلية الإيمانية بقوله: *«ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، وعزز هذا المفهوم في نص آخر حاسم يعيد ترتيب قيمة الأيام: *«أفضل أيام الدنيا أيام العشر»**.
إن هذا التفضيل المطلق
ارسال الخبر الى: