سام برس جنازات لا تقام 2 قبور تمشي بين الأحياء

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
نحن لا نفقد الأشياء الجميلة في حياتنا دفعة واحدة. الزمن أكثر مكراً من ذلك. إنه يأخذها منا على مهل. يقتطع جزءاً صغيراً اليوم، وجزءاً آخر غداً، حتى نستيقظ ذات يوم لنجد أن ما أحببناه لم يعد كما كان، وأن أشخاصاً كانوا يوماً عالمنا كله تحولوا إلى ذكريات تمشي على أطراف القلب.
هناك لحظة مرعبة يمر بها كل إنسان، لحظة لا يسمع فيها صوت رصاص، ولا يرى نعشاً، ولا يقف في مقبرة، ومع ذلك يشعر أن شيئاً ما قد مات إلى الأبد. تلتفت فجأة إلى حياتك فلا تعرف كيف وصلت إلى هنا. ترى وجوهاً كانت تملأ أيامك ثم اختفت. ترى أحلاماً كنت مستعداً أن تحارب العالم من أجلها فلم يبق منها سوى ذكريات باهتة. ترى أباك الذي كان يبدو أكبر من الزمن نفسه وقد صار يسير ببطء، كان جبلاً فأصبح يتكئ على ذراع ابنه. ويبدأ حين نكتشف أن حباً عظيماً لم يمت، لكنه لم يجد طريقه إلى الحياة. وترى في المرآة شخصاً لا يشبه ذلك الفتى الذي كنت تعرفه ذات يوم.
وكلما تقدم بنا العمر، امتلأت أرواحنا بمقابر لا يراها أحد. مقابر لأحلام لم تتحقق، ووجوه غيّرها الزمن، وبيوت لم تُبنَ، وكلمات لم تُقل، وأوقات جميلة مرت سريعاً ولم نعرف قيمتها إلا بعد فوات الأوان.
وهكذا نعيش محاطين بقبور تمشي بين الأحياء، نحملها معنا أينما ذهبنا. نبتسم أحياناً، ونتحدث، ونواصل الحياة كأن شيئاً لم يحدث، بينما في أعماقنا مواكب عزاء لا تنتهي، وأسماء ما زلنا نرثيها بصمت، رغم أنها لم تُدفن يوماً في التراب.
الأكثر إيلاماً أن هذه الجنائز لا يحضرها أحد. لا أحد يربت على كتفك حين تموت نسخة قديمة منك. لا أحد يعزيك حين تدفن حلماً عشت سنوات تبنيه. لا أحد يرى الدموع التي تخفيها وأنت تراقب الزمن وهو يسرق من والديك القوة التي كنت تظنها أبدية.
ولهذا نمضي في الحياة محاطين بأشباحنا الخاصة. نحمل في قلوبنا مدناً كاملة انهارت، وأعماراً كاملة لم نعشها، وأشخاصاً
ارسال الخبر الى: