سام برس تجريد الإرادة وتكلفة الرهان السياسي

بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
حين تعمد القيادة السعودية إلى رفع منسوب التوتر في الملف اليمني، فإنها تنزلق نحو مواقف تنطوي على مخاطرة استراتيجية مكلفة، على الرغم من إدراكها التام أن التمسك بمسار التهدئة وإغلاق الملفات العالقة يحققان للرياض مكاسب أمنية وحالة من الاستقرار بعيد المدى، بتكلفة لا تُقاس مطلقاً بتبعات التفجير العسكري وإعادة إشعال جبهات المواجهة.
تتجلى هذه المفارقة في كون المضي قدماً نحو التصعيد ينمّ عن حسابات قاصرة لا تراعي طبيعة القدرات الردعية الجريئة التي تراكمت لدى صنعاء؛ وهي القدرات التي فرضت معادلة واقعية من توازنات الردع والمحاصرة المتبادلة، كفيلة بتجاوز السقف التقليدي للمواجهات الروتينية في المنطقة إلى مستويات شمولية وغير متوقعة تتأثر بها أسواق الطاقة وشرايين التجارة الدولية.
وأمام هذه الممارسة السياسية المكتظة بالمخاطر، يتبادر إلى الذهن تساؤل جوهري حول الدوافع التي تجعل صانع القرار في المملكة ينحرف نحو خيارات محفوفة بالخسائر، رغم توافر مسارات دبلوماسية أقل كلفة وأكثر ضماناً للسلم الإقليمي والاستقرار الداخلي.
تتشكل الإجابة الأوضح لتفكيك هذا التناقض الظاهري من خلال فهم طبيعة تجريد الإرادة؛ إذ إن الارتهان لمنظومة الأجندات الخارجية يفرض على الفاعل الإقليمي أداء أدوار وظيفية قد تتعارض تماماً مع مصالحه الوطنية الحيوية. فالقيادة في الرياض لا تتحرك وفق تقييمها الذاتي للمخاطر والمكاسب الاستراتيجية، بقدر ما تستجيب لإملاءات الحليف الدولي الذي يوظف الملف اليمني لخدمة خرائطه الجيوسياسية الخاصة وتوازناته مع القوى المنافسة في المنطقة.
هذه التبعية الهيكلية تجعل من القرار السيادي والعسكري مجرد أوراق للمناورة والتفاوض في أيدي القوى الكبرى، مما يدفع المملكة إلى تصدّر مواجهات بالوكالة لا تجني منها سوى استنزاف مقدراتها الاقتصادية وتعميق هشاشتها الأمنية.
إن القراءة العميقة لهذا السلوك تؤكد أنه ليس وليد الاندفاع التكتيكي أو مجرد سوء تقدير للميدان، بقدر ما يعكس حقيقة بنيوية مفادها: أن الإرادة السياسية والقرار النافذ في إدارة ملف الحرب باليمن ينبعان أساساً من الإدارة الأمريكية، بينما تكتفي الرياض بلعب دور المنفّذ الملتزم بحدود المسارات التي ترسمها واشنطن، محتفظة بنفسها بكل التكلفة السياسية والأمنية
ارسال الخبر الى: