سام برس اليابان حين تنتصر الدولة على الغنيمة

بقلم/ مصطفى الكاظمي
قبل أيام ، وتحديداً في 11 فبراير (شباط) الحالي، حلّت المناسبة السنوية لليوم الوطني الياباني ، وهي مناسبة للعودة إلى الكتابة بعد انقطاعٍ قهري ؛ نتيجة الانشغالات اليومية بالمستجدات السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً، في لحظة مفصليّة تمرّ بها منطقتنا والعالم أجمع، وتحولات تؤسس لنظام عالمي وإقليمي جديد لعقود مقبلة، وهذا يفرض علينا، بصفتنا عراقيين التهيّؤ لما هو مقبل.
يقول الشاعر والفيلسوف الإسباني جورج سانتايانار: «أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكومٌ عليهم بتكراره»، والعِبر في هذا السياق، لا تنفكّ عن المشاهدات المستندة إلى مراجعات وخيارات وتجارب، شكّلت تحولات عظيمة في التاريخ الإنساني، فبالتاريخ تصاغ الاستراتيجيات، وعليه تُبنى القرارات الرشيدة.
التجربة اليابانية تستحق الوقوف والتأمل، صحيح أن اليابان في أقصى الشرق، لكنها مثال يحتذى به، والحديث عنها هنا، ليس من باب التنظير، بل من باب المشاهدة والاحتكاك والتعرّف العميق؛ فقد زرت اليابان، منذ عام 2023 وحتى كتابة هذه السطور، مرّات عدة، لارتباطي هناك بسلسلة فعاليات علمية وثقافية، ما أتاح لي الاطلاع المباشر على عناصر القوة في هذه التجربة المتفردة.
ثمة ما تلمسه هناك في تلك الجزر المشكِّلة لإمبراطورية قديمة، يتجاوز عمرها ألفَي عام، انطباع يرسخ مباشرة لديك، فحكايات النهوض الكبرى لا تبدأ من وفرة المال، ولا من زخارف الخطاب السياسي الذي يملأ الفضاء العام بوعود سهلة وشعارات رنانة، إنما تنطلق غالباً من لحظة صدق قاسية مع الذات؛ لحظة يقرّر فيها المجتمع، نخباً ومؤسسات وأفراداً، أن ينهضوا ويشكِّلوا دولة حقيقية، لا مجرد تجمعات متناثرة تبحث عن الغنيمة في ثقوب القانون، فتلك اللحظة لا تُفرَض من الخارج، ولا تُستورَد جاهزةً، بل تُصنَع داخلياً عندما يدرك الجميع أن الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها هو شكل آخر من أشكال الانهيار المؤجل.
وحين نتأمل التجربة اليابانية الحديثة، بعيداً عن الإعجاب السطحي، نجد أن جوهر التحول لم يكن معجزة سماوية، ولا حتى حظاً تاريخياً استثنائياً، أو استثماراً للحظة فقط، وإنما إرادة سياسية واجتماعية واعية قرَّرت مواجهة البنى العميقة التي كبّلت المجتمع طويلاً، وفي مقدمتها
ارسال الخبر الى: