سام برس متى صار الفراغ تهمة

48 مشاهدة

بقلم/ سعدية مفرح
أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه إلى جواري. تمر عشرون دقيقة، وربما ساعة، وأكتشف بعد ذلك أنني كنت أفعل شيئا مهما جدا: كنت أترك رأسي يستريح.
منذ متى صار علينا أن نشرح هذا الوقت؟
حين يسأل أحدهم: “ماذا فعلت اليوم؟” نميل إلى تعداد الأعمال التي أنجزناها، والمواعيد التي حضرناها، والرسائل التي أجبنا عنها، والأشياء التي انتهينا منها. وإذا قلنا: “جلست في البيت وقرأت قليلا وشربت قهوتي”، بدا الأمر كما لو أننا قدمنا تقريرا ناقصا عن يومنا. كأن الساعات لا تكتسب قيمتها إلا حين نضع فيها مهمة يمكن تسجيلها في دفتر الإنجاز.
حتى الفراغ صار يحتاج إلى مبرر.
أفكر أحيانا في الأيام القديمة التي كان فيها للناس وقت يجلسون فيه أمام البيت، أو قرب النافذة، أو في مقهى يعرفون فيه وجوه الجالسين أكثر مما يعرفون أسماءهم. كانت هناك ساعات تمر من غير مشروع واضح، وكان ذلك جزءا طبيعيا من الحياة. قد يقرأ شخص كتابا لساعتين، وقد يمشي مسافة طويلة من أجل متعة المشي، وقد يجلس آخر يتأمل شجرة في الحديقة، وقد يسرح قليلا في فكرة لا يعرف إلى أين ستأخذه. لم تكن كل دقيقة مطالبة بإثبات جدارتها.
أما نحن فقد تعلمنا أن ننظر إلى الوقت كأنه مادة خام ينبغي استثمارها كلها.
حتى حين نقرر أن نرتاح، نبحث عن طريقة “مفيدة” للراحة. نشاهد محاضرة، نستمع إلى بودكاست، نتعلم لغة، نتابع برنامجا رياضيا، أو نحول المشي إلى سباق مع عدد الخطوات. نحتاج أحيانا إلى أن نخرج من اليوم بفائدة واضحة حتى نشعر أننا لم نهدره.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون حاجتنا الأكبر هي بعض الوقت الذي لا نعرف ماذا سنفعل به.
فالقراءة، مثلا، تحتاج إلى شيء من البطء. الكتاب الذي نقرأه ونحن نراقب الساعة ونفكر في الرسائل التي تنتظرنا، يفقد شيئا من قدرته على الدخول إلينا. بعض الأفكار تحتاج إلى أن تتأخر قليلا قبل أن تستقر في مكانها.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح