سام برس الخريف والشهداء و الحديقة الأخيرة

بقلم/ غسان شربل
أقسى العقوباتِ أن ينساكَ العالمُ أو يعتبرك مريضاً لا أملَ بشفائه. ويضاعف الأمرَ افتقارُك إلى الأوراق. لا مضائق لديك تهدد بإغلاقها ولا برنامجاً نووياً تلوح برفع نسبةِ التخصيب فيه. وسط انشغالِ العالم بالمضائق والترسانات يستكمل جيشُ نتنياهو جريمتَه الكبرى منفذاً حكمَ الإعدام بعشرات القرى في جنوب لبنان. ذنبها كما يزعمُ أنَّها اسْتُخدمت في شنّ هجماتٍ على إسرائيل. قتل البيوت وقتل أهل البيوت ولم يرحمِ الأشجار. كأنَّه يريد منعَ أي شاهد من الإدلاء بإفادته أمام محكمة التاريخ إذا انعقدت ذات يوم. يتذرَّع هذا الجيشُ الموتور بأنَّ «حزب الله» كان المبادر إلى إطلاق الحرب مرةً لإسناد غزة غداة «طوفان السنوار»، والثانية ثأراً للمرشد علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل. ويقول صراحة إنَّ على لبنان أن يدفع ثمن خسارته للحرب.
في الطريق إلى صيدا بوابة جنوب لبنان لم يبخل الخريف بأمطاره الأولى. استيقظت في ذاكرتي مشاهدُ قديمة. ذات يوم بعيد كنت متجهاً إلى مقر الصحيفة وشاهدت أمطارَ الخريف تنقضّ عنيفة على بيروت. شاهدتها تقتلع صور الشهداء عن جدران المدينةِ وتنتزع مفرداتِ من الشعارات الحماسية التي دبَّجها المحاربون وتوهموا أنَّها ستقيم إلى الأبد. ومنذ تلك الأيام ارتبطت صورُ الشهداء في خاطري بأمطار الخريف التي تطارد صورَهم التي لن تبقى معلقةً إلا في جدران بيوتهم وأحزان أمهاتهم.
كأنَّ هذه الأرض مصابة بعطش لا ينتهي. تشرب دمَ جيل ثم تجدد شوقها إلى دم جيل آخر. صحيح أنَّ الأوطان تحتاج أحياناً إلى شهداء لتسترد أرضها وسيادتها وقرارها المستقل، لكن الصحيح أيضاً هو أنَّ دورَ الأوطان لا يمكن أن يقتصر على إنجاب الشهداء وتوديع الشهداء. الوطنُ فرصة حياة وتقدم. الوطنُ ليس مصنع شهداء وجنازات.
أقول الشهداء وأعني كلَّ الذين قدَّموا أرواحهم في حروب كثيرة. حرب على تلة في الجبل. أو على خط تماس في بيروت. وفي المدينة التي كانت منقسمةً كان الخريف يهاجم صور كلّ الشهداء على اختلاف ميولهم وشعاراتهم المتقاتلة. وكان من عادة المدينة أن تنسى شهداءَها. وأن تستقيلَ من أفعالهم كأنَّهم تسرَّعوا حين ألقوا
ارسال الخبر الى: