سام برس الجنازات التي لا تقام موتى بلا نعوش

29 مشاهدة

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
ليست أكثر المآسي وجعًا تلك التي يُعلن عنها في مكبرات الصوت، ولا تلك التي تمتلئ لها المقابر بالمعزين والزهور والدموع. ثمة مآسٍ أخرى أكثر قسوة، وأكثر وحدة، لأنها تموت دون أن يلاحظها أحد. لا تُكتب لها نعيّات، ولا تُرفع فوقها الرايات السوداء، ولا يقف أحد في عزائها ليقول: البقاء لله. ومع ذلك، تظل تنزف في أعماقنا سنوات طويلة، كأنها ماتت بالأمس.
وليست كل الجنازات مصحوبة بالنعوش، ولا كل الموتى يُحملون إلى المقابر. هناك أشياء تموت في حياتنا بصمتٍ كامل، حتى إن العالم لا يتوقف دقيقة واحدة حداداً عليها. يموت حلمٌ عشت له سنوات، فتستيقظ في الصباح التالي وتذهب إلى عملك كأن شيئاً لم يحدث. تموت صداقة كانت وطناً صغيراً لقلبك، فلا يرفع أحد راية سوداء على أبواب المدينة. تنتهي حياة كاملة كنت تتخيلها لنفسك، بيتاً وأشخاصاً ومستقبلاً وملامح أيام لم تأتِ أبداً، ثم تختفي كلها دون شاهدٍ واحد.
بعض خساراتنا لا تجد كتفاً تبكي عليه، لأنها لا تترك جثة وراءها. لا أحد يعزيك في النسخة التي كان يمكن أن تصبحها لو سارت الأمور بشكل مختلف. لا أحد يقرأ الفاتحة على الأحلام التي دفنتها بيديك كي تستطيع مواصلة العيش. لا أحد يسأل عن ذلك الشخص الذي مات داخلك يوم خذلتك الحياة للمرة الأخيرة.
نحن لا نحمل في قلوبنا مقبرة واحدة، بل مدناً كاملة من الجنازات التي لم تُقم، ومن الموتى الذين لم يعرف أحد أنهم ماتوا. وفي أكثر الأيام هدوءًا، يكفي أن تلمح صورة قديمة، أو تسمع اسماً نسيته، أو تمر بمكان عابر، حتى تفتح تلك المقابر أبوابها دفعة واحدة، ويعود كل شيء ليموت من جديد.
هناك أشياء لا تموت دفعة واحدة، بل تموت ببطء شديد، أمام أعيننا، بينما نعجز عن إنقاذها. نشاهدها وهي تبهت يوماً بعد يوم، وتبتعد خطوة بعد خطوة، حتى يأتي يوم نلتفت فيه فلا نجدها. عندها فقط ندرك أن الجنازة قد انتهت منذ زمن، وأننا كنا المشيعين الوحيدين.
والأشد وجعاً أن العالم لا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح