سام برس اتساع الأرض وضيق الصدر

بقلم/ محمود عبد الراضى
نركض في مدارات الأيام كمن يطارد خيط دخان، ونشحذ أسنة الأطماع في حربٍ لم يعلنها أحد، سوى وهمٍ استقر في صدورنا بأن الحياة حلبةٌ لا تتسع إلا لرقصةِ الفائز الأخير.
نتزاحم على أبواب الرزق كأن الخزائن تُفتح لمرة واحدة ثم تُغلق للأبد، ونصارع على كراسي العمل وكأن المقاعد إذا خلت منا خلت الأرض من أسباب البقاء.
نسينا في غمار هذا اللهث أن السماء لم تضق يوماً بالسائلين، وأن الأرزاق أطواقُ نجاةٍ قُسّمت بالعدل، لا أسلوب اقتتالٍ يُنتزع بالقوة.
لماذا كل هذا الصراع؟ وما الذي نكسبه حين نربح الرهان ونخسر أنفسنا؟ نتحارب على المساحات، بينما الأرض واسعة تشتاق لوطأة أقدامٍ تمشي بالسلم، ونتحارب على الفرص، بينما الكون بأكمله صدى لطموحات تتسع للجميع دون أن تزاحم فكرةٌ فكرة، أو يقطع رزقٌ رزقاً.
واهمٌ جداً ذلك الذي توهم أن قيمته تجسدها المعارك التي يخوضها، وأن وجوده ينتهي إذا ما استراح قليلاً على هامش الطريق.
الحياة ليست حلبة مصارعة بل مأدبة كريم، تسع كل الآكلين وتفيض.
إن أشد أنواع الفقر ليس قلة الحيلة، بل ضيق الصدر أمام اتساع الحياة، نُقطع أرحام الطمأنينة لنصل إلى قممٍ وهمية، وما إن نصل حتى نكتشف أن المجد الذي شُيّد على أكتاف الإنهاك هو مجرد حصن من غبار.
الرزق ليس مقعداً في حافلة مكتظة ندهس بعضنا للوصول إليه، بل هو نهرٌ يتدفق، يرتوي منه المقيم والمار.
ولن يفوتك ما كُتب لك حتى لو أجمعت الأكوان على حبسه، ولن تنال ما لم يُكتب لك ولو صرعت من أجله الجبال.
دعونا نضع أسلحة اللهفة جانباً، ونفك إحكام القبضة عن أشياء سنتركها رغماً عنا ذات رحيل.
دعوا الطرقات تتسع للعابرين، والقلوب تتسع للمتعبين، خففوا من وطأة الركض، فما كل مطاردٍ يدرك، وما كلادٍ يحرم.
اهدؤوا قليلاً.. ففي اتساع هذا الكون اتساع لجميع أحلامكم، وفي كرم الله ما يغنيكم عن مشقة الصراع.
نقلاً عن اليوم السابع
ارسال الخبر الى: