سام برس أشياء لا يعرفها الموتى عنا

26 مشاهدة

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
هناك أوجاع لا تُدفن مع أصحابها، بل تُدفن فينا نحن. أوجاع تبقى حيّة رغم مرور السنوات، تكبر بصمت كما تكبر الشقوق في الجدران القديمة، حتى يصبح القلب بيتاً مهدماً يسكنه الغياب. والموتى، رغم كل شيء، لا يعرفون ما فعل رحيلهم بنا. لا يعرفون أن جزءاً منا مات معهم يوم غابوا، وأن الجزء الباقي لم يعش بعدهم كما كان من قبل.
لا يعرف الموتى أننا بعد دفنهم عدنا إلى بيوتنا نحمل نعوشاً أخرى داخل صدورنا. لا يعرفون كيف جلسنا في الليلة الأولى نحدق في الفراغ كمن ينتظر معجزة مستحيلة. كيف نمنا منهكين من البكاء، ثم استيقظنا على الكابوس نفسه، لنكتشف أن الأمر لم يكن حلماً وأن الذين أحببناهم حقاً لن يعودوا أبداً. لا يعرفون أن العالم في ذلك اليوم انقسم إلى نصفين: عالم كان فيه وجودهم يملأ الجهات الأربع، وعالم آخر بارد ووحيد بدأ منذ اللحظة التي أغمضوا فيها أعينهم للمرة الأخيرة.
لا يعرف الموتى أن أصعب ما في الفقد ليس ساعة الرحيل، بل ما بعدها. الأيام الطويلة التي تبدو عادية للآخرين بينما نعبرها نحن بأقدام مثقلة بالحزن. الذكريات التي تهاجمنا دون استئذان. الأماكن التي فقدت روحها. الضحكات التي لم تعد تكتمل. والأحاديث التي ما زلنا نؤجلها في داخلنا وكأنهم سيعودون ذات يوم ليسمعوها.
ولا يعرف الموتى أننا لم نتعلم كيف نعيش من دونهم، بل تعلمنا فقط كيف نخفي انهياراتنا عن الناس. كيف نبتسم حين يجب أن نبتسم، وكيف نرد على الأسئلة العادية بينما في أعماقنا مقبرة كاملة من الأشواق والحنين والندم والكلمات التي تأخرت كثيراً. لأن بعض الراحلين لا يغادرون الحياة حقاً، بل يبقون فينا كجرح مفتوح لا يلتئم، وكصوت بعيد ينادينا من مكان لا تصل إليه أيدينا ولا دموعنا.
وربما لو عاد الموتى للحظة واحدة، ونظروا إلى ما فعلته غيبتهم بقلوبنا، لأدركوا أن الذين رحلوا استراحوا... أما الذين بقوا، فما زالوا حتى اليوم يحملون أوزار الفاجعة وحدهم.
أوجاع لا يدفنها التراب
لا يعرف الموتى أن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح