سام برس أجساد تحت التراب ومنارات تصنع التاريخ 2

31 مشاهدة

بقلم /لقاضي الدكتور حسن حسين الر
ليست الحياة مجرد تتابع رتيب لليل والنهار، ولا هي أرقامٌ صماء تتراكم في سجلات المواليد والوفيات لتُطوى مع الزمن. إن القيمة الحقيقية للوجود الإنساني لا تُقاس بالمدد الزمنية المحدودة، بل بالبصمة الروحية والفكرية التي يتركها المرء في مسيرته؛ فالأعمار تُقاس بالآثار لا بالأنفاس. هناك من يمرّ بهذه الدنيا مرّ السحاب العابر، لا يترك خلفه ظلاً ولا يروي غليلاً، وهناك من تحيا بهم الدنيا وتزدهر وإن غيبتهم أطباق الثرى وجارت عليهم صروف المنون؛ لأنهم أدركوا مبكراً بوعيهم البصير أن العمر الحقيقي هو عمر الأثر المستدام، لا عمر الجسد الفاني.
وحين يعيش الإنسان لفكرة أكبر منه، أو ينذر نبضات قلبه لقضية تتجاوز حدود ذاته الضيقة وطموحاته الشخصية، أو يرتهن لمبدأ يؤمن في أعماقه أنه يستحق البذل والتضحية، فإن عمره ينعتق فوراً من قيود السنوات الضيقة وحسابات الأيام المحدودة. عندها، لا يعود المرء ابن أربعين أو خمسين أو سبعين سنة، بل يتحول إلى امتدادٍ حيّ ونابض لسلسلة طويلة من الأحرار والمصلحين الذين حملوا الفكرة نفسها، وذادوا عن المبدأ ذاته عبر تعاقب العصور والأزمان؛ فيصبح الفرد أمة، وتصبح الأيام دهوراً.
ولهذا التلازم البديع بين الفكرة والخلود، كان الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومن سار على دربهم من العلماء والمصلحين، أطول الناس عُمراً وأبقَاهم ذكراً، وإن كانت أعمار بعضهم في الحساب الزمني قصيرة ومحدودة بمقاييس السنين. والسر الكامن في هذا الخلود أنهم لم يعيشوا يوماً لأنفسهم أو لملذاتهم الذاتية، بل عاشوا يحملون همّ الرسالة، ويحترقون ليضيئوا مشاعل الهداية والوعي للبشرية، فاستحالت أنفاسهم منارات لا تنطفئ.
إن غياب الجسد ليس نهاية المطاف للمصلحين وأصحاب الرسالات الذين وهبوا حياتهم للحق؛ فلقد غادروا الطين، وأصبحت أجسادهم تحت التراب وارتوت من عرق تضحياتهم الأرض، بينما بقيت كلماتهم ومواقفهم وتضحياتهم حية نابضة في عروق الزمن، ما زالت تصنع الأمم من ركام العدم، وتغير مجرى التاريخ، وتُعيد تشكيل الضمائر الإنسانية، وتوجه بوصلة الأجيال الصاعدة نحو الحق والفضيلة والكرامة؛ لتثبت أن الفكرة الصادقة أقوى من

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع سام برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح