سام برس آخر مرة التي لا يخبرك بها أحد سامحني لم أكن أعلم أنها آخر مرة

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
قبل أن تبدأ القراءة، تذكّر شخصاً تحبه. شخصاً تستطيع الآن أن تتصل به، أن تسمع صوته، أن تخبره أنك اشتقت إليه. تذكّره جيداً، ثم تخيّل للحظة أن هذه الفرصة انتهت، إلى الأبد.
تخيّل أن هاتفه سيرنّ للمرة الأخيرة، وأن صورته ستبقى كما هي، بينما يمضي العالم كله من حولها. تخيّل أن هناك كلمة واحدة فقط كانت تفصل بينك وبين راحة قلبك، لكنك لم تقلها. عناقاً واحداً أخّرته. رسالة واحدة ظننت أن إرسالها يمكن أن ينتظر حتى الغد. ثم جاء الموت أسرع من الغد.
بعض النصوص لا تُقرأ بالعينين، بل بالجروح القديمة. وهذا النص واحد منها. لأنه لا يتحدث عن الموت فقط، بل عن تلك الطعنة التي تأتي بعده. عن الكلمات التي ماتت في حناجرنا، وعن الأبواب التي كان يجب أن نطرقها فلم نفعل، وعن الأشخاص الذين رحلوا وهم يظنون أننا لا نشتاق إليهم كما كانوا يشتاقون إلينا.
وربما، بين هذه السطور، ستجد وجهاً غاب منذ سنوات وما زلت تبحث عنه في الزحام، وصوتاً ما زال يزورك في منتصف الليل، ودمعةً أخفيتها طويلاً حتى أقنعت نفسك أنك تجاوزت الفقد، ثم اكتشفت أن بعض الأحزان لا تُشفى أبداً، بل تتعلّم فقط كيف تسكن القلب دون أن تُحدث ضجيجاً.
فإن شعرت وأنت تقرأ أن صدرك يضيق، وأن عينيك تلمعان بالدموع، فلا تحاول المقاومة، لأن هذا النص ليس عن الذين رحلوا فقط، بل عن الجزء الذي أخذوه معهم من أرواحنا حين رحلوا. وعن ذلك الندم الثقيل الذي يبقى جالساً إلى جوارنا طوال العمر، يهمس لنا كل ليلة: لو كنت أعلم أنها آخر مرة.
الذين أخذوا معهم نصف أرواحنا
لا شيء يُحطم الإنسان مثل فكرة أن هناك أشخاصاً ماتوا وهم ينتظرون منا شيئاً صغيراً جداً. مكالمة، رسالة، حضناً دافئاً. ربما كلمة: سامحني. أو كلمة: أحبك. أو حتى سؤالاً عابراً: كيف حالك؟ ثم ماتوا. ومات معهم كل شيء.
تخيل رجلاً عجوزاً يجلس في مساء بارد، ينظر كل دقيقة إلى باب بيته معتقداً
ارسال الخبر الى: