في سؤال لماذا يتمحور كل شيء حول فلسطين
امرأة تسير في أحد شوارع ولاية أميركية بعيدة، ليست نيويورك، ولا واشنطن، ولا لوس أنجليس، ترفع لافتة بألوان العلم الفلسطيني، وتُردّد بالإنكليزية، وبصوت أصابته بحّة عابرة فلسطين حرّة حرّة، وشابّ في إحدى الساحات الأوروبية الشهيرة يطرح سؤالاً سريعاً على السيّاح العابرين حوله: هل تريد تذكرة وحجزاً فندقياً مجانيين تقضّي بهما عطلة نهاية الأسبوع في مدينة ساحلية جميلة في إسرائيل؟ .
تأتي الإجابات مختلفة في عباراتها، ولكن متشابهة في المعنى: لا وألف لا. مع قسمات وجوه فيها الغضب، وفيها السخرية، وفيها الصّدمة، وأيادٍ ترفع علامة النصر من أجل فلسطين. ثم تفيض شوارع مدن أوروبا والأميركيتين وآسيا بطُوفان بشري مُنظّم في الذكرى الثالثة لحرب غزّة، الحرب الأكثر توحّشاً وهمجيّةً في العصر الحديث للتذكير والتحذير، وحتى لا تتعطّل ذاكرة العالم أمام أزماته المُتلاحقة المُتفاقمة، فيغفل عن السؤال الذي بات، رغم كلماته القليلة المُختزلة، بمثابة أطروحة تحمل الإجابة في صيغة التساؤل نفسها، والتي أُطلقت في الغرب أوّلاً: Why Is Everything About Palestine و ترجمته لماذا يتمحور كلّ شيء حول فلسطين؟
ليس من المبالغة القول إنّ الوعي بعدالة القضية الفلسطينية، منذ النكبة، وبالظلم والمعاناة الشديدين اللذين رافقاها، لم يعرف مثل هذا الزخم والتجلّي، ولم يبلغ مرحلة اكتمال التشكّل كما يحدث في السنوات الثلاث الأخيرة، وكأنّ القطعة الأهمّ في لعبة ليغو أو شطرنج كانت مفقودة ومن دونها بقيت الصورة منقوصة غامضة، ثمّ عُثِر عليها، وإذا بالملامح تجتمع وتكتمل وتكتسب المعنى. إنّ ما استوعبه جُلّ العرب على مدار أكثر من سبعين عاماً، استغرق زمناً وجهداً ومعارك فكرية في حلبات إقليمية ودولية كثيرة، تمّ تدجينها بالكامل تقريباً حتى لا يبقى فيها هامش لطرح مختلف. فالمؤسسات الأكاديمية والحقوقية، كما الإعلام، كما الهيئات التي تُعنى بالثقافة والحضارة والتاريخ، تحوّلت إلى ردهاتٍ لحروبٍ فرعية تشتغل على الوعي والذاكرة، بدت أخيراً وكأنّها خرجت فجأة من مختبر رطب مُعتم إلى ضوء النهار، حيث الشمس في سماء بلا غيوم. وإنّه لأمر عجيب أن تؤدّي الابادة وغبار الدّمار الشديد الذي أُريد به خلق العدم، إلى
ارسال الخبر الى: