سؤال الوعي بين الهيمنة واستبطان الهزيمة
لا يمكن تناول مسألة تشويه صورة الإنسان العربي بوصفها مجرّد خلل في التمثيل الإعلامي أو انحراف في الخطاب السياسي الغربي، لأن هذا الفهم يبقى أسير السطح، ويتجاهل البنية الأعمق للنزاع. فالقضية في جوهرها ليست كيف يُنظر إلى العربي، بل كيف يُنتَج معنى العربي داخل منظومات القوّة والمعرفة، وكيف يُعاد تدوير هذا المعنى حتى يصبح بديهياً، بل أحياناً مُعترفاً به ذاتياً.
من هنا، لا يكون السؤال سؤال شكوى من ظلم الصورة، بل سؤال وعي بشروط تشكّلها واستمرارها. وعليه، فإنّ تشويه صورة العربي ليس حادثة عرضية في التاريخ الحديث، بل هو مسار تراكمي ارتبط منذ بدايات الاحتكاك غير المُتكافئ بين العالم العربي والغرب الليبرالي الحديث. فقد تشكّل هذا التشويه ضمن نظام معرفي كامل، لم يكن الاستشراق فيه جهداً بريئاً لفهم الآخر، بقدر ما كان آلية لإعادة إنتاجه باعتباره كياناً (ثابتاً، جامداً، محكوماً بالعاطفة والتقليد)، في مقابل ذات غربية قدّمت نفسها بوصفها معيار العقل والتقدّم، ولم يكن العربي موضوع معرفة فحسب، بل موضوع ضبط وتأويل، تُنتزع منه القدرة على تعريف ذاته، ويُعاد إدراجه داخل سردية لا يملك مفاتيحها.
غير أنّ خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في طابعه الخارجي، بل في كونه رافق تحوّلات داخلية عميقة أعادت تشكيل المجال العربي ذاته، فقد شكّل انهيار الإطار السياسي الجامع (الخلافة العثمانية) في مطلع القرن العشرين لحظة انكسار رمزي بقدر ما كان حدثاً جيوسياسياً.
لم يُستبدل ذلك الإطار بنظام سيادي مُستقل، بل بخريطة مُعاد تصميمها وفق منطق السيطرة، حيث تحوّلت الحدود إلى أدوات تفكيك، والاختلافات الاجتماعية إلى هُويّات سياسية مُتنازعة... وعند هذه اللحظة، لم يعد التشويه فعل تمثيل خارجي فحسب، بل بدأ يتحوّل إلى شرط بنيوي في الواقع العربي نفسه.
في مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تختفِ الهيمنة، بل أعادت إنتاج ذاتها بأشكال أكثر تعقيداً
في مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تختفِ الهيمنة، بل أعادت إنتاج ذاتها بأشكال أكثر تعقيداً، فالسيطرة لم تعد عسكرية مباشرة، بل اقتصادية وثقافية وسردية، وبرزت القضية الفلسطينية نقطةً كثيفةً تكشف آليات
ارسال الخبر الى: