زياد الرحباني في السبعين صعود السلم الموسيقي الأزرق
لا يمكن فهم أثر زياد الرحباني (1956 - 2025)، الذي تحلّ اليوم الذكرى السبعون لميلاده، في الجاز العربي المعاصر، من دون التوقف ملياً عند نقطة الانفصال والاتصال مع المدرسة الرحبانية الأم. نشأ زياد في كنف مشروع فني كبير بناه الأخوان عاصي ومنصور رحباني، وهو مشروع قام في جوهره على هندسة هوية صوتية لبنانية مثالية، تستخدم لوناً من الكلاسيكية الغربية للتعبير عن بيئة قروية متخيّلة. إلّا أن زياد، وبحكم وعيه بالواقع اللبناني المتغير في السبعينيات، أدرك أن تلك القوالب، على جماليتها، لم تعد قادرة على استيعاب ضجيج المدينة وصراعاتها النفسية والطبقية. من هنا؛ بدأ تحوله نحو الجاز من دون اعتباره نوعاً موسيقياً مستورداً، ولعله تعامل معه بوصفه أداة تفكيكية يعيد من خلالها قراءة الواقع؛ فبينما كانت المدرسة الكلاسيكية تبحث عن التناغم (Harmony) المطلق، كان زياد يبحث عن التنافر (Dissonance) الذي يعكس حقيقة الشارع اللبناني إبان الحرب وما بعدها.
في بداياته، بدأ زياد بتطويع الهياكل الموسيقية التي ورثها، لكنه سرعان ما أدخل الارتجال، وتعامل معه باعتباره عنصراً بنيوياً، يمثل المبدأ الجوهري في موسيقى الجاز. جاء انتقال زياد من الأغنية ذات البناء الخطي (مقدمة، مذهب، كوبليه) إلى المقطوعات التي تعتمد على التطوير اللحني (Development) والتفاعل الحي بين العازفين، ليشكّل صدمة إيجابية في ذائقة الأجيال الجديدة. وقد انحاز دائماً إلى نقل الموسيقى من دور المرافق للكلمة إلى دور البطل المستقل، لتصبح الجملة الموسيقية بحد ذاتها موقفاً فكرياً يعبر عن التوتر والقلق والسخرية السوداء التي ميّزت شخصيته الفنية.
ولذا؛ فإنّ محاولة فهم الجاز الرحباني تتجاوز الأحاديث السطحية عن إضافة آلة الساكسفون أو الدرامز إلى التخت الشرقي، أو وضع ألحان شرقية فوق إيقاعات غربية كما يفعل كثيرون. لقد تغلغل في بنية اللحن مستخرجاً طاقات تعبيرية تتماشى مع السلم الموسيقي الأزرق (Blue Note) الخاص بالجاز والبلوز. خلق هذا التداخل ما يعرف بالمرونة النغمية، إذ يشعر المستمع أن البيانو ينطق بلهجة بيروتية. ولا ريب أن هذه الريادة جعلت من زياد الرحباني المرجع الأساس
ارسال الخبر الى: