ريموند كارفر القصة تمرين على القراءة خارج أفق التوقع
60 مشاهدة
لا يبني الشاعر القاص الأميركي ريموند كارفر قصصه على أفق انتظار ولا على الدوائر أو المتاهات أو العود الأبدي بورخيس ولا على أي سببية مفتعلة بإمكانها أن ترضي توقعاتنا بل يحرص على أن يقود القارئ إلى فكرة أخرى غير آهلة بالنهايات إذ إننا حين ننتهي مثلا من قراءة قصة حماية من مجموعته القصصية كاتدرائية لا نعرف حقا ما إذا كان زوج ساندي سيرافقها إلى المزاد العلني لشراء براد آخر أو لا وفي قصة المقصورة من المجموعة نفسها يضيع مييرز عمدا محطة الوصول إلى ستراسبورغ التي كان يقصدها لزيارة ابن لم يره منذ ثمانية أعوام ولا نعرف نحن القراء ما معنى أن يستسلم للنوم بينما في قصة شيء صغير جيد لا نعرف كيف لم يفكر آن وهوارد في مغادرة المخبز بعد أن لفظ طفلهما سكوتي أنفاسه الأخيرة بالمستشفى وهل نسيا بالفعل حزنهما على الميت بتلك السرعة تكتمل قصص كارفر 1938 1988 تقريبا حين لا نشعر بأنها اكتملت بالفعل هذا هو التعقيد السري الذي يراهن عليه في كل أعماله القصصية التي نقل بعضها إلى العربية مثل كاتدرائية منشورات روايات ترجمة أسامة إسبر 2020 أو في مجموعات ضع نفسك مكاني 1974 وصولا إلى من أين أتصل 1987 مرورا بـهلا هدأت من فضلك 1976 وأساليب شائعة 1977 وهنا يمكن القول إن الكاتب لا يبني قصصه على ما نسميه لحظة التنوير أو ما درجنا على تسميته الحل النهاية ليست قدر القصة ومن المدهش أن قصصه تبتعد عن المسار الديني الذي تقتضيه النهايات الثواب العقاب تكتمل قصصه تقريبا حين لا نشعر بأنها اكتملت بالفعل لا يهتم كارفر بالعلل والغايات بل إنه يجعلنا نشعر في مجموعته عم نتحدث حين نتحدث عن الحب 1981 التي ترجمها إلى العربية سلطان فيصل وصدرت عن منشورات روايات أيضا عام 2018 بأن عبادة النهاية سلوك أناني ولهذا تميل القفلات إلى التحقق بشكل هادئ وغير متوقع وبطريقة ما إنه غير معني بالمآلات المنطقية أو العجيبة أو المدهشة كذلك فإن خططه السردية تستدعي القارئ وتشير إليه وخصوصا في نهايات القصص إن نهاياتها مؤثرة لكنه تأثير بالسلب ولا تقدم حلا ولا تجهد نفسها في تحديد ما يمكن أن نسميه الخطوة التالية إنها قصص مبنية على حكايات لا تعيش لترى نهاياتها مثلما يحدث في قصة كاتدرائية التي تحمل عنوان المجموعة إذ لا نعرف ما حصل عليه روبرت والأعمى ولا معنى ما كان يقومان به والقيمة المضافة التي تقدمها الرسمة للخط الدرامي ولا دورها في الحبكة أو تطور الحدث القصصي إن كارفر يثبت أن النهاية ليست جزءا مهما في الحكاية فلا يجري الحديث في قصصه عن النهاية الجيدة أو المرضية أو المقنعة ولا عن مدى تأثيرها بالشخصيات أو القارئ عموما ولا عما إذا كانت تدعو القارئ إلى التأمل والتفكير إنها نهايات مقعرة بوسعها أن تترك بشكل ما خيبة صغيرة أو سوء فهم لدى المتلقي غير أنها مع ذلك نهايات تقع خارج التفسير ولا تراهن عليه إلى حد ما تبدو غير منشغلة بالخروج من المحتمل نهايات تغلق النص ولا تغلق انتظارات القارئ كذلك فإنها غير معنية أو تكاد بما يمكن أن نسميه تثغيرا أي بما تحمله تطورات الحدث القصصي من سيناريوهات ممكنة لكن ألا يهتم كارفر بنهايات قصصه أليس راعيا كبيرا لـاللااكتمال أليست النهاية سر أسراره السردية لا نستطيع الجزم بأن نهايات كارفر مفتوحة أو أن القاص منشغل بأي قدر بإشراك القارئ في مشروعه السردي إنها نهايات تشبه القضم كما لو أن الحدث القصصي يتعرض للموت في اللحظة الخطأ التي لا مجال لاستيعابها أو إدراك أسبابها ولو من باب التخمين النهايات شبيهة بالاستيقاظ من حلم أو كابوس لم يكتمل ليس معنى هذا أن النهاية لدى كارفر تفتقر إلى الموقع الاستراتيجي حيث يحتشد الأثر المتوقع وهنا يمكن القول إنها عمق اللعبة برمتها رغم أنه يقول ليصرفنا إلى غيرها أحب الوثبة المرنة السريعة للحكاية القصيرة والإثارة التي تتولد منذ الجملة الأولى والشعور بالجمال الملغز الذي ينشأ عنها إنه باختصار يحب القصة لكنه في الوقت نفسه مروض كبير للوثبة الأخيرة وبهذا المعنى فإن الوحش هو الكاتب هو الذي يقضم لينهي الحكاية في لحظة مستحيلة والأمر الغريب بالفعل أننا لا يمكن أن ننخرط رغم كل هذا في التفسير على وجه اليقين أو التعقب على وجه الاحتمال قد يكون التفسير الموضوعي الوحيد أن كارفر يكرم النهاية بكيفية واعية جدا ما دام قد تخلى عن الاقتراح الرياضي أو الفانتاستيكي أو الديني وما دام قد أقام استراتيجيته الكتابية على جعل القارئ يتابع مباراة لكرة القدم بلاعبيها وجمهورها وحكامها ثم في لحظة ما يجعله يتابع في ذروة الحكي مباراة للشطرنج بين لاعبي دكة الاحتياط ثم في لحظة غير متوقعة نكون أمام مباراة في الملاكمة بين المدربين كل شيء يحصل في فضاء واحد وكل شيء يجرنا إلى منطقة خارج ما تعودناه من نهايات سعيدة أو سيئة أو مفتوحة إننا نعرف متى بدأت الحكاية لكننا لا نعرف إلى أين ستؤول يعلمنا كارفر أن النهايات يمكنها أن تكون شبيهة بالاستيقاظ من حلم أو كابوس لم يكتمل ولا أحد يمكنه بمن فيهم الحالم حتى إن عاد إلى النوم أن يقبض على نهايته كما يجب أو كما نتوقع ويعلمنا أيضا بأن القصة ليست علاقات سببية وليست دائما صراعا بين قوى متعارضة محددة سلفا لا شيء ثابتا ولا شيء نهائيا ولا شيء يفضي إلى شيء واحد فقط غير أن كارفر مع ذلك يدعي أن ما يهمه في النهايات أن تكون إيجابية حتى إن كانت تعمل ضد منطق الحكي يقول على القصة أن تكشف شيئا وليس كل شيء يجب أن يكون هناك لغز معين في القصة لا أحب أن أصيب القارئ بالإحباط لكن هذا صحيح أنا أخلق توقعا لكني لا أحققه تأسيسا على ذلك لا يمنح كارفر قارئه راحة الخلاص السردي كذلك فإنه ليس كاتبا تفسيريا كل شيء مؤجل ويحتاج إلى إعادة التركيب ذلك أنه يراهن على قدرة القارئ على التعايش مع النقص لتتحول القصة في نهاية المطاف إلى تمرين على القراءة التي ترضي توقعاتنا لكنها دائما تترك فينا أثرا لا يمحى ويحسب له أنه غير قواعد اللعبة القصصية في مرحلة الثمانينيات فهو إلى جانب ابتداعه لحبكات جديدة وغير متوقعة كان يتبضع من الحياة اليومية للأميركيين ما جعله يستحق عن جدارة لقب تشيخوف أميركا