أنا رومان مونييه لدلفين دو فيغان الاختفاء في زمن الأرشفة الرقمية
ماذا لو تركنا لشخص آخر كل ما في هاتفنا الذكي؟ ماذا تخبرنا الأجهزة الرقمية عن هويتنا؟ إلى أي حد نعرف الآخرين حقاً، أو نعرف أنفسنا، عبر ما نتركه على الشاشات؟ هل ما نتركه في أجهزتنا يمثلنا حقاً، أم أنه مجرد قشرة رقمية تخفي أكثر مما تكشف؟ تساؤلات تطرحها الروائية الفرنسية، دلفين دو فيغان، في روايتها الجديدة أنا رومان مونييه (منشورات غاليمار، 2026)، من خلال واقعة بسيطة ظاهرياً (تبادل هاتفين ذكيين بين شخصين غريبين).
يستيقظ السارد توماس بعد سهرة ليكتشف أن هاتفه الخلوي اختفى، وأن بحوزته هاتف امرأة لا يعرفها تدعى رومان مونييه. بيد أنه حين يلتقيان لاسترجاع الهاتف، تطلب منه رومان على نحو مفاجئ أن يحتفظ بهاتفها، ثم تختفي من حياته، فيجد نفسه، تبعاً لذلك، أمام جهاز ممتلئ بالرسائل والصور والتطبيقات وسجلات الحياة اليومية، فيبدأ في التصفح، لتتشكّل شخصية رومان مثل رقعة البازل، عبر الآثار الرقمية التي تتحول إلى أرشيف حيّ، وإلى ما يشبه سيرة ذاتية غير مبرمجة، مما يسمح له بإعادة تركيب قطع المرأة المختفية وبنائها انطلاقاً من الجُمل المبتورة والصور غير المكتملة والمحادثات التي تبدأ ولا تنتهي، الأمر الذي جعل شخصية رومان حاضرة بقوة، إذ نكتشف وحدتها وهشاشتها العاطفية وعلاقتها المربكة بعائلتها، فضلاً عن خوفها من التكرار، ومن الذوبان في حياة لا ملامح لها، ومن أن تتحول إلى مجرد رقم آخر في عالم محكوم بالخوارزميات.
تطرح عبر كتابة تتقدم بهدوء وتدرّج سؤال بقاء الأثر بعد الغياب
في المقابل، يتحول السارد نفسه إلى موضوع خفي للرواية. فقراءته حياة رومان مونييه تجبره على مواجهة جراحه الخاصة التي تراكمت في طفولته، وأبوته المبكرة وعلاقته المعقدة بأمه، وشعوره الدائم بأنه يعيش على هامش الآخرين. وهكذا تصبح الرواية مزدوجة الوجه: بحثاً عن امرأة غائبة، وفي الوقت نفسه رحلة صامتة في داخل رجل لم يكن يدرك حجم هشاشته.
نقف، إذن، في هذه الرواية أمام مرآتين متقابلتين: امرأة غائبة تُقرأ، ورجل حاضر يُعاد اكتشافه عبر فعل القراءة ذاته، كأن دو فيغان تقول إننا لا نفهم
ارسال الخبر الى: