روزاليا قتلت نيتشه
حين أعلن نيتشه موت الإله لم يكن يكتب بياناً ضدَّ السماء، كان يدوّن شهادة حضارية عن أفول عالم كامل. كان يرى الإنسان الأوروبي يخرج من ظل القرون اللاهوتية إلى عراء الحداثة، إذ يتقدّم العقل ويتراجع المقدّس، ويتحوّل الشك إلى يقين جديد. منذ تلك اللحظة، عاش الغرب طويلاً في سؤال ما بعد الإله، ثم في سؤال ما بعد المعنى، حتى انتهى إلى قلق أعمق: ما بعد الإنسان نفسه.
مع العصر الرقمي، بدا كأن العدمية بلغت ذروتها. لم يعد الإنسان مركز الكون. صار نقطة في شبكة. لم تعد الروح مرآة الغيب. تحوّلت إلى بيانات تُقاس وتُحلَّل. أصبح الإبداع خوارزمية، والهوية صورة، والمعنى تفاعلاً سريع الزوال.
في هذا الفراغ الميتافيزيقي الهائل، عاد السؤال القديم يتردّد من جديد: ماذا بعد موت الإله؟ الغريب أن الإجابة أتت هذه المرة من مكان غير متوقّع. من الموسيقى. من الثقافة الشعبية التي مرت مرحلة اعتُبرت فيها طويلاً ابنة الاستهلاك والسطحية. في ألبوم لوكس (Lux)، تقف الفنانة الإسبانية روزاليا لتعلن عودة السؤال الروحي إلى قلب الحداثة.
/> نجوم وفن التحديثات الحيةروزاليا تفاجئ برشلونة في حفل تضامني مع الفلسطينيين
ما تقدّمه روزاليا (واسمها كاملاً: روزاليا ڤيلّا توبيلا) ليس استعارة جمالية لرموز دينية، وليس لعباً فنياً على حافة المقدّس. حضور الإله في ألبومها لوكس محور تجربة ثقافية كاملة. تتحدث عن علاقة شخصية، عن شوق، عن فراغ لا يملؤه شيء سوى العلو. وليست هذه روحانية أفقية تحتفي بقيم إنسانية عامة، إنها اعتراف بعلاقة عمودية، بوجود يتجاوز الذات ويخاطبها.
في عالم اعتاد إقصاء الدين إلى الهامش الخاص، تبدو هذه الجرأة حدثاً ثقافياً بحد ذاته. اعتقدت أوروبا طويلاً أنّها تجاوزت الحاجة إلى المقدّس، وأنها قادرة على العيش في أفق مكتف بذاته. قرن من التجريب لم يُلغِ العطش. موت الإله، كما اتضح، ترك الإنسان وحيداً في مواجهة العدم. روزاليا لا تعود إلى الدين بوصفه مؤسسة، ولا تطرح منظومة عقائدية مغلقة. تبحث عن لحظة داخل التجربة الفردية. تعترف بتناقضها وبضعفها. إنّها روحانية ما بعد الحداثة،
ارسال الخبر الى: