سام برس رمضان مدرسة الصياغة الإنسانية وميدان الفتوحات الكبرى

بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
يخطئ من يختزل رمضان في كونه مجرد محطة عابرة لتغيير الأنماط الغذائية، أو تبديل مواعيد النوم والسهر، أو مناسبة اجتماعية للاحتفاء بالمظاهر. إن هذه النظرة السطحية لا تعدو كونها فهماً مغلوطاً يجرد الشعيرة من جوهرها المقاصدي، فالله الغنيُّ عن جوع عباده وعطشهم، لم يفرض الصيام لتعذيب الأبدان، بل لتهذيب الأرواح وإعادة صياغة الإنسان.
ثورة على العادة.. وارتقاء بالروح
إن رمضان في حقيقته هو دورة استشفائية إيمانية، ومساحة لمراجعة كشوفات الحساب مع الذات. هو الانتقال من ضيق الغريزة وأسر الشهوات المباحة إلى رحاب الطاعة والسمو الإنساني. في هذا الشهر، نُعيد ضبط بوصلة النفس، ونرمم ما أفسدته ضوضاء الحياة في قلوبنا، لنرتقي إلى منزلة أسمى من خلال تكثيف الطاعات ونبذ الأوزار والمعاصي.
ترميم البنيان المجتمعي
وعلى الصعيد الاجتماعي، يمثل رمضان فرصة للترميم الشامل في علاقاتنا الإنسانية. هو شهرٌ لوأد القطيعة ونبذ الخلافات، ومد عُرى التواصل المثمر الذي يعود بالنفع على المجتمع ككل. إن الغاية المثلى التي أرادها الخالق هي تجسيد الأسرة الواحدة المتراحمة المتكافلة، التي يشد بعضها بعضاً مهما اتسعت رقعتها.
مواجهة ثقافة الاستهلاك والكسل
ومن المؤسف أن ينساق البعض خلف ثقافة التسمر أمام الشاشات لمتابعة المسلسلات والفوازير، أو التسكع في الطرقات والأسواق، محولين ليل العبادة إلى سمرٍ ونهار العمل إلى نوم. رمضان ليس شهر خمول، بل هو محراب عمل وميدان جهاد حقيقي ضد النفس والهوى وضد أعداء الأمة.
تأريخ البطولات.. لا استراحة الكسالى
التاريخ الإسلامي يبرهن أن رمضان هو شهر الحسم؛ ففيه سُجلت أعظم الانتصارات التي غيرت وجه التاريخ، بدءاً من بدر الكبرى وفتح مكة، ووصولاً إلى القادسية وعين جالوت وحطين، وحتى ملحمة العاشر من رمضان في العصر الحديث. لم يكن الصوم يوماً عائقاً أمام البناء والفتح، بل كان الوقود الروحي الذي لا ينضب.
خاتمة القول:
هذا هو رمضان بمفهومه الإسلامي الصافي؛ منحة ربانية لإعادة بناء العقل والروح والجسد. فمن لم يدرك هذه الحقيقة، فإنه يضيع على نفسه فرصة تاريخية قد لا تتكرر. إن الحفاظ على
ارسال الخبر الى: