رسوم ترامب تهدد الصناعة الأوروبية والعرب خارج المعادلة
179 مشاهدة
ضربة جديدة تواجهها صناعة الأدوية حول العالم حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمعة الماضي جولة جديدة من التعرفات الجمركية تشمل فرض رسوم بنسبة 100 على الأدوية ذات العلامات التجارية أو الحاصلة على براءات اختراع اعتبارا من الأول من أكتوبر تشرين الأول المقبل ما لم تكن الشركات المصنعة تشيد مصانع لها في الولايات المتحدة وركز القرار على الأدوية ذات العلامات التجارية أو التي تحميها براءات اختراع أو غيرها من حقوق الملكية الفكرية ما يمنع منافسة الأدوية الجنيسة المكافئة حتى انتهاء هذه الحماية ووفق ترامب فإن تلك التعرفات الجمركية ستحفز شركات الأدوية إلى نقل عمليات التصنيع للولايات المتحدة وجاء فرض تلك الرسوم الباهظة رغم إعلان شركات عالمية منها أسترازينيكا وسانوفي خفض أسعار عدد من أدويتهما في الولايات المتحدة استجابة لضغوط من ترامب لتقليل التكلفة على المرضى كما أعلنت شركة الأدوية الأميركية إيلي ليلي أنها ستستثمر خمسة مليارات دولار لتشييد مصنع ضخم في ولاية فيرجينيا ليكون الأول ضمن أربعة مصانع جديدة تخطط الشركة لتدشينها في الولايات المتحدة وخصصت شركات منها أسترازينيكا وروش وغلاكسو سميث كلاين وجونسون آند جونسون مليارات الدولارات للاستثمار في القدرات التصنيعية والبحثية داخل أميركا قرار ترامب الأخير يعمق أزمة صناعة الدواء العالمية التي شهدت في الآونة الأخيرة سلسلة من الاضطرابات المتشابكة أججها قرار فرض رسوم جديدة عليها مما ينذر بمرحلة صعبة قد تترك آثارها في مختلف القارات بما في ذلك المنطقة العربية لا يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث إن الرسوم الأميركية على الأدوية تهدد صناعة الأدوية الأوربية كما تهدد بإلغاء 3 1 مليارات دولار من صادرات سنغافورة وقال نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة في سنغافورة غان كيم يونغ السبت الماضي إن شركات الأدوية في البلاد تسعى للحصول على توضيحات بشأن ما إذا كانت ستمنح إعفاء من الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضتها الولايات المتحدة على منتجاتها ضغوط على الشركات الكبرى المعادلة أصبحت أكثر تعقيدا مع تصاعد ضغوط التسعير في بريطانيا واستمرار النقص في فرنسا والتسريحات الضخمة في الدنمارك وصولا إلى الرسوم الجمركية الأميركية التي ستصيب المصانع التي لا توجد في الولايات المتحدة وفي هذا السياق أكد الرئيس التنفيذي لدار الدواء العالمية الأردنية خالد حرب لـالعربي الجديد أن أزمة الدواء العالمية الراهنة ليست أزمة ظرفية بل أزمة هيكلية تتجلى في ضغوط اقتصادية على الشركات الكبرى التي تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والبحث والتطوير وفي نقص تشغيلي لأدوية أساسية حتى في أسواق متقدمة مثل فرنسا إضافة إلى بعد سياسي جعل الدواء ورقة ضغط في ما وصفه بـالتسليح التجاري كما ظهر في الرسوم الأميركية الأخيرة على الصادرات الأوروبية وأكد الطبيب النفسي أنطوان بيلسولو رئيس قسم في مستشفى هنري موندو في كريتاي لصحيفة لوفيغارو الفرنسية أن الأسواق الأوروبية تشهد نقص الكثير من الأدوية ونقلت الصحيفة عن خبراء أن أسباب أزمة الندرة التي تعرفها أوروبا تعود إلى عدة عوامل أبرزها اعتماد 80 من المواد الفعالة على مصانع آسيوية وزيادة الاستهلاك العالمي بفعل شيخوخة السكان وتوسع أنظمة الضمان الصحي كما حذرت الصحيفة من أن هذه النواقص لم تعد تقتصر على فرنسا بل هي ظاهرة عالمية أزمة الأسعار والإمدادات الكثير من الخبراء الذين تحدثوا في الإعلام الفرنسي اعتبروا أن وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم زاد الضغوط على أسواق الدواء الأوروبية فاعتماد قاعدة الأمة الأكثر تفضيلا التي تمنع أن يكون سعر الدواء في الولايات المتحدة أعلى من السعر الأدنى عالميا قد يدفع المختبرات إلى التضحية بالسوق الفرنسية والأوروبية للحفاظ على السوق الأميركية الأكبر والأكثر ربحية فضلا عن تهديدات ترامب الأخيرة بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 على الأدوية المستوردة التي تنتجها شركات لم تلتزم ببناء مختبرات جديدة في الولايات المتحدة حتى الأول من أكتوبر المقبل وأوضحت صحيفة فاينانشال تايمز في 10 سبتمبر أيلول أن بيئة التسعير الصارمة والضرائب في إنكلترا جعلت الشركات الدوائية أكثر ترددا في الاستثمار وبرز ذلك حين ألغت الشركة الدوائية الأميركية ميرك مشروعا بحثيا بقيمة 1 3 مليار دولار في كينغز كروس فيما أرجأت شركة أسترازينيكا مشروعا في كامبريدج هذه القرارات لم تكن سوى إشارة واضحة إلى أن سياسة التسعير الحكومية تهدد جاذبية المملكة المتحدة وجهة بحثية واستثمارية في قطاع يفترض أنه استراتيجي أما على مستوى نقص الإمداد فقد سجلت الوكالة الفرنسية لسلامة الدواء نحو 3825 حالة انقطاع للأدوية في 2024 مقابل حوالي خمسة آلاف في 2023 وأقل من ألف في 2018 وهنا أشار الباحث والخبير في سوق الدواء والرعاية الصحية محمد توفيق لـالعربي الجديد إلى أن سياسات التسعير غير المتناسبة مع تكاليف الإنتاج والاستيراد تضعف استدامة قطاع صناعة الدواء محليا وتدفع بعض الشركات إلى وقف التصنيع أو الاستيراد بما يفاقم هشاشة الأمن الدوائي ويرفع الأعباء على المواطنين والمؤسسات الصحية نوفونورديسك تطمئن في 10 سبتمبر أيلول اتخذت نوفونورديسك شركة أدوية دنماركية متعددة الجنسيات تتخذ من كوبنهاغن مقرا لها خطوة صادمة إذ أعلنت تسريح تسعة آلاف موظف نصفهم تقريبا داخل الدنمارك وبررت الشركة القرار برغبتها في توفير 1 28 مليار دولار سنويا بحلول 2026 بعد أن فقدت أكثر من نصف قيمتها السوقية خلال عام مما ولد مخاوف من نقص الإمدادات في الأنسولين الذي تعد شركة نوفونورديسك الأكثر إنتاجا وتوزيعا له واتصلت العربي الجديد بشركة نوفونورديسك للاستفسار حول قرار تخفيض موظفيها وأوضحت الإدارة في مراسلة لها أن عدد المسرحين شمل كل نقاطها في العالم وبلغ عددهم تسعة آلاف ورفضت أن تشارك تفاصيل إضافية سواء تعلق الأمر بالنقاط أو المواقع التي شمل موظفيها الفصل من باب احترام الخصوصية وأشارت نوفونورديسك في مراسلتها الموجهة إلى العربي الجديد إلى أن عملية التسريح ستستغرق وقتا ونفت أن يكون لخفض عدد الموظفين تأثير على إنتاجها أو توزيعها للأدوية ولا سيما الأنسولين بحكم أنها المصنع الأول في العالم وتغطي ما يقارب 50 من احتياجات العالم وأنتجت العام الماضي فقط 800 مليون قلم أنسولين هذه التطورات المتزامنة تكشف عن أزمة هيكلية في صناعة الدواء العالمية فبحسب تقرير الوكالة الأوروبية للأدوية الصادر في 20 أغسطس آب الماضي فإن 65 من حالات نقص الأدوية في الاتحاد الأوروبي تعود إلى اعتبارات اقتصادية متعلقة بالتسعير وليس إلى مشكلات إنتاجية بحتة كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في يوليو تموز الماضي من أن الاعتماد على التصنيع في آسيا لبعض المواد الجنيسة والمركبات الأساسية يجعل أوروبا عرضة لصدمات متكررة في سلاسل الإمداد وكشفت دراسة أعدها الاتحاد الفيدرالي للمستهلكين في فرنسا بعنوان صناعة الأدوية مهددة تحت الضغط أن أسعار الأدوية الجديدة لا تحدد وفقا لتكاليف البحث أو التصنيع بل بحسب ما يمكن أن تدفعه الدول بينما حذرت أكاديمية العلوم الفرنسية في تقريرها عام 2023 من أن التكاليف المرتفعة للأدوية تثير القلق بشأن المساواة في الوصول إلى العلاج تداعيات عربية أما ما يخص المنطقة العربية التي تعتمد بنسبة تفوق 80 على استيراد الأدوية من أوروبا وأميركا فقد أوضح توفيق أن الدول العربية تواجه خطرا متزايدا لنقص الأدوية الأساسية وارتفاع أسعارها مرجعا ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية الاعتماد الكبير على الاستيراد حيث إن نحو 95 من المواد الفعالة تنتج خارج المنطقة خصوصا في الصين والهند واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتذبذب أسعار الصرف في دول لا تربط عملاتها بالدولار وقالت منظمة الصحة العالمية عبر مكتبها الإقليمي في شرق المتوسط في تقرير بعنوان تسريع الوصول إلى المنتجات الطبية في إقليم شرق المتوسط الصادر هذا العام إن معظم دول المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الأدوية وهو ما يجعلها عرضة لاضطرابات متكررة في سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الدواء بالنسبة للمستهلكين nbsp وفي هذ الصدد أشار حرب إلى خطورة الأزمة مبينا أن الدول العربية تواجه معضلة مزدوجة فمنها من يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد مع ضعف واضح في آليات ضبط الأسعار ما يجعلها عرضة مباشرة للصدمات العالمية ومنها من يمتلك صناعة أدوية جنيسة جيدة لكنها لا تكفي لتحقيق أمن دوائي حقيقي لكنه لفت إلى أن مثل هذه الأزمات تمثل فرصة للدول العربية لبناء سياسة إقليمية مشتركة في مجال الدواء بما يحقق الأمن الصحي لشعوبها ويقلل من الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية ولمواجهة هذه الأزمة دعا حرب إلى تبني خطوات واضحة أبرزها تنويع مصادر الاستيراد بالانفتاح على أسواق بديلة مثل الهند وتركيا وأميركا اللاتينية واعتماد سياسات تسعير ذكية تربط أسعار الأدوية الأساسية بآليات إقليمية لتقليل أثر الرسوم والتقلبات فضلا عن إنشاء صناديق دعم دوائي تمكن الدول من التدخل وامتصاص جزء من ارتفاع الأسعار خصوصا في الأدوية المنقذة للحياة