تحول الرسوم الجمركية المؤقتة الجديدة بنسبة 15 التي فرضها الرئيس دونالد ترامب لتحل محل تلك التي أبطلتها المحكمة العليا الأميركية التركيز إلى ملف ميزان المدفوعات غير أن كثرا من الاقتصاديين يرون أن الأزمة التي تسعى الإدارة إلى معالجتها غير موجودة أصلا ما يجعل هذه الرسوم عرضة لتحديات قانونية جديدة بعد ساعات من إلغاء المحكمة العليا يوم الجمعة مجموعة واسعة من الرسوم التي فرضها ترامب بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية IEEPA وأعلن الرئيس فرض رسوم جديدة استنادا إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 وهو نص قانوني لم يستخدم من قبل وكان فريقه القانوني قد اعتبره غير ذي صلة قبل أشهر وبدأ تحصيل الرسوم الجديدة البالغة 15 عند منتصف ليل الثلاثاء بالتزامن مع توقف تحصيل رسوم IEEPA التي تراوحت بين 10 و50 وتجيز المادة 122 للرئيس فرض رسوم تصل إلى 15 لمدة أقصاها 150 يوما على جميع الدول لمعالجة عجوزات كبيرة وخطيرة في ميزان المدفوعات ومشكلات أساسية في المدفوعات الدولية وفق ما نقلته رويترز ويستند الأمر التنفيذي إلى القول بوجود عجز خطير في ميزان المدفوعات يتمثل في عجز تجاري سنوي في السلع بقيمة 1 2 تريليون دولار وعجز في الحساب الجاري يعادل 4 من الناتج المحلي الإجمالي إضافة إلى تحول فائض دخل الاستثمار الأولي للولايات المتحدة إلى عجز إلا أن بعض الاقتصاديين من بينهم النائبة الأولى السابقة لمدير عام صندوق النقد الدولي غيتا غوبيناث رفضوا هذا التوصيف nbsp وقالت غوبيناث لوكالة رويترز يمكننا جميعا الاتفاق على أن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة في ميزان المدفوعات وهي الأزمة التي تحدث عندما تشهد الدول ارتفاعا مفرطا في تكاليف الاقتراض الدولي وتفقد إمكانية الوصول إلى الأسواق المالية ورفضت غوبيناث اعتبار تسجيل رصيد سلبي في دخل الاستثمار الأولي الأميركي للمرة الأولى منذ عام 1960 دليلا على وجود مشكلة كبيرة وخطيرة في ميزان المدفوعات مرجعة ذلك إلى الزيادة الكبيرة في مشتريات الأجانب للأسهم الأميركية والأصول عالية المخاطر خلال العقد الماضي والتي تفوقت في أدائها على نظيراتها الأجنبية من جانبه رأى مارك سوبل المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية وصندوق النقد الدولي أن أزمات ميزان المدفوعات ترتبط غالبا بالدول ذات أنظمة الصرف الثابتة مشيرا إلى أن الدولار بنظام سعر الصرف العائم ظل مستقرا كما بقي عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات مستقرا نسبيا فيما حققت الأسهم الأميركية أداء جيدا واتفق جوش ليبسكي رئيس قسم الاقتصاد الدولي في مركز أبحاث المجلس الأطلسي مع هذا الطرح موضحا أن أزمة ميزان المدفوعات تحدث عندما تعجز الدولة عن سداد قيمة وارداتها أو خدمة ديونها الخارجية وهو ما يختلف جوهريا عن مجرد وجود عجز تجاري وفقا لوكالة رويترز في المقابل تبنى براد سيتسر خبير العملات والتجارة في مجلس العلاقات الخارجية والذي شغل منصب مستشار أول لدى الممثل التجاري الأميركي في إدارة بايدن موقفا مغايرا نسبيا فقد كتب في منشورات مطولة على منصة إكس أن إدارة ترامب قد تمتلك حجة معقولة بوجود عجز كبير وخطير في ميزان المدفوعات وأشار إلى أن عجز الحساب الجاري أعلى بكثير مما كان عليه عندما فرض الرئيس ريتشارد نيكسون رسوما جمركية عام 1971 لمعالجة أزمة في ميزان المدفوعات وأن صافي وضع الاستثمار الدولي للولايات المتحدة أسوأ بكثير اليوم معتبرا أن ذلك يمنح الإدارة حجة حقيقية لتبرير الرسوم ولم يصدر تعليق فوري عن البيت الأبيض أو وزارة الخزانة الأميركية أو مكتب الممثل التجاري الأميركي بشأن اللجوء إلى المادة 122 النص القانوني غير المناسب رغم تركيز الإدارة الحالية على ميزان المدفوعات كانت وزارة العدل قد اعتبرت سابقا أن المادة 122 ليست الأداة القانونية المناسبة لمعالجة حالة طوارئ وطنية مرتبطة بالعجز التجاري وفي مذكرات قضائية قدمتها دفاعا عن رسوم IEEPA ذكرت الوزارة أن المادة 122 لا تبدو ذات تطبيق واضح لأن المخاوف التي استند إليها إعلان الطوارئ تتعلق بعجز تجاري يختلف من حيث المفهوم عن عجز ميزان المدفوعات وقال نيل كاتيال الذي ترافع أمام المحكمة العليا نيابة عن المدعين الطاعنين في رسوم IEEPA لقناة سي أن بي سي إن موقف الإدارة السابق سيجعل رسوم المادة 122 عرضة للطعن القضائي وأضاف قد لا يحتاج الأمر إلى الوصول مجددا إلى المحكمة العليا لكن استخدام نص قانوني قالت وزارة العدل نفسها إنه غير قابل للتطبيق يجعل الطعن فيه أمرا يسيرا ولا يزال من غير الواضح من سيقود أي تحرك قضائي ضد رسوم المادة 122 وقالت سارة ألبريخت رئيسة مركز العدالة للحرية وهو مكتب محاماة غير ربحي يمثل عددا من الشركات الصغيرة التي طعنت في رسوم IEEPA إن المجموعة ستراقب أي لجوء إلى نصوص قانونية جديدة وأوضحت أن تركيزهم الفوري ينصب على بدء عملية استرداد الأموال وبدء صرف الشيكات للشركات الأميركية التي دفعت الرسوم التي اعتبرت غير دستورية ولم تحدد المحكمة العليا في حكمها آلية استرداد الأموال بل أعادت القضية إلى محكمة تجارية أدنى للنظر في الخطوات التالية ويثير الجدل حول الرسوم الجمركية الجديدة مسألة جوهرية تتعلق بالتمييز بين العجز التجاري وأزمة ميزان المدفوعات وهما مفهومان اقتصاديان مختلفان من حيث الطبيعة والدلالات ويتكون ميزان المدفوعات من الحساب الجاري السلع والخدمات والدخل والتحويلات والحساب المالي تدفقات رؤوس الأموال وتسجل الولايات المتحدة منذ عقود عجزا في الحساب الجاري يعكس استيرادها سلعا وخدمات تفوق صادراتها غير أن هذا العجز يمول بسهولة عبر تدفقات مالية وافرة إلى الأصول الأميركية بفضل مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية وعمق الأسواق المالية الأميركية في السياق النظري تتحول مشكلة العجز في ميزان المدفوعات إلى أزمة عندما تفقد الدولة قدرتها على تمويل عجزها الخارجي ما يؤدي إلى ضغوط حادة على سعر الصرف وارتفاع كبير في تكاليف الاقتراض وتآكل الاحتياطيات الأجنبية وغالبا ما ترتبط هذه الأزمات باقتصادات ناشئة تعتمد أنظمة صرف ثابتة أو شبه ثابتة وتفتقر إلى ثقة الأسواق أما الولايات المتحدة فتعتمد نظام سعر صرف عائم ويتمتع اقتصادها بقدرة استثنائية على جذب الاستثمارات الأجنبية سواء في سندات الخزانة أو الأسهم أو الأصول المباشرة كما أن الدولار يؤدي دورا محوريا في النظام المالي العالمي ما يسهل تمويل العجز الخارجي دون ضغوط تمويلية حادة ورغم أن العجز التجاري في السلع بلغ مستويات مرتفعة تاريخيا وأن صافي وضع الاستثمار الدولي للولايات المتحدة أصبح سالبا بصورة كبيرة فإن المؤشرات المالية الأساسية من استقرار الدولار إلى أداء أسواق الأسهم والسندات لا تعكس سمات أزمة ميزان مدفوعات تقليدية اقتصاديا يعكس العجز الجاري الأميركي جزئيا فجوة هيكلية بين الادخار والاستثمار فالاقتصاد الأميركي يستهلك ويستثمر أكثر مما يدخر ويجري تمويل الفرق عبر استقطاب رؤوس أموال أجنبية nbsp وفي ظل قوة المؤسسات المالية وعمق الأسواق ينظر إلى هذا النمط باعتباره اختلالا قابلا للإدارة لا أزمة سيولة أو ملاءة خارجية بالتالي يدور الخلاف القائم حول ما إذا كان ارتفاع العجز الخارجي يشكل اختلالا كبيرا وخطيرا يبرر إجراءات استثنائية أم أنه انعكاس طبيعي لدور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي لا يرقى إلى مستوى أزمة ميزان مدفوعات بالمعنى الاقتصادي الدقيق