رسالة جديدة على لسان ناصر الوحدة مع السودان كانت أولى من سورية
139 مشاهدة
احذر مما تتمناه أو be careful what you wish for كما يقول مثل إنكليزي قديم حوته حكايات العبد اليوناني إيسوب العائدة إلى القرن السادس قبل الميلاد ولا ريب أنه لم يخطر على بال سواد المصريين لدى ركوبهم في عام 2016 موجة تنكيت وتبكيت ساخرة مما قالته الدكتورة هدى جمال عبد الناصر ابنة الزعيم الراحل وأستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة بأنها وجدت وبالصدفة المحضة داخل البيت وثائق تؤكد أن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان بعد سابق تاكيد بمصريتهما وليس هذا موضوعنا وإنما ما اشتهته عاصفة من الميمز صور فكاهية وتعليقات لاذعة مطالبة لأفراد الأسرة بالبحث عن المزيد من تاريخ مصر الكامن داخل منازلهم بعيدا عن متناول الباحثين ومرتادي الأرشيفات العمومية فكان لهم ما أرادوا وكان لنا ما لم نعلم بوجوده قطع مفقودة من أحجية تاريخية خلق غيابها فجوات عميقة في البنية السردية لجمهورية يوليو المفترى عليها والمفترية علينا والتعبير بتصرف أصله يعود إلى كتاب لأنيس منصور نشره في عام 1988 راويا شهادته عن مؤسسها بعد رحيله بثمانية عشر عاما بيد أن عبد الحكيم عبد الناصر ضرب الرقم السابق وتفوق عليه بـ37 عاما ناشرا بـالتقطير في قناته على اليوتيوب المعروفة بـناصر تي في Nasser TV مقاطع صوتية لبعض منها مغزى ومعنى ليس في بطن الشاعر بل في عقل من يصطفيها ويصنعها على عينه خاصة أنها مجتزأة والقناة كانت خاملة غير منتظمة النشر لا يدري عنها أحد شيئا منذ تأسيسها في يناير كانون الثاني 2018 رغم ضخها مئات المقاطع المصورة لخطب الرئيس الراحل وأنشطته إلا أنها صارت مثار حديث الجماهير السيارة لا سيما كلما أخرجت لنا من جراب الجهة الواقفة خلفها تسجبلا يراد للجمهور تجرعه ولا يكاد يسيغ خطورته كهذا المعنون بـنبوءة جمال عبد الناصر للقذافي والنميري حول مستقبل السودان قبل تحليل مضمون المقطع بيانا وتبيينا للنبوءة المتحراة يقينا فإن للتسجيل الجديد كشفا بمحتواه وما قيل فيه الغابر زمنا بتفاصيله الراجعة إلى 12 فبراير شباط 1970 صلة بقلق مصري مرصود حكوميا وشعبيا تجلى في تحذير القاهرة اليوم من اقتراب مليشيا الدعم السريع من حدودها بعد أن حاولت استهداف مدينة مروي بالولاية الشمالية الحدودية عبر الطائرات المسيرة في أحداث متسارعة منذ سقوط مدينة الفاشر في 26 أكتوبر تشرين الأول الماضي على يد المليشيا واستحواذها على كامل إقليم درافور ما عدا بعض الجيوب أي لم يعد يفصلها عن القاهرة سوى أجزاء من الولاية الشمالية ومن هنا يمكن فهم توقيت بث المقطع عقب 10 أيام من تلك الواقعة التي سبقتها ثانية لا تقل خطورة وقد جرت في يونيو حزيران الماضي إثر تقدم المليشيا إلى المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان ما أضفى أبعادا استراتيجية خطيرة على تمددها جغرافيا وامتلاكها أوراق تهديد حدودية يمكنها عبرها محاولة الضغط على القاهرة تحييدا لدورها المنحاز للدولة السودانية ومؤسستها العسكرية القومية علاوة على تعظيم مصادر قوتها بفتح خط إمداد إضافي يمر بالجنوب الليبي وبمساعدة نظيرتها المليشياوية في تلك البلاد بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر تنويعا لمصادر السلاح والوقود والمرتزقة المجلوبين في مقابل عوائد اقتصاد تهريب البشر والذهب والسلع فضلا عن مردودات خط آخر يقع على الشريط الحدودي مع تشاد ويمتد إلى منطقة الساحل والصحراء المضطربة أمنيا وقديما قيل ضربتان في الرأس توجع توجعان فما بالك بثلاث أكثرهم خطرا تعاظم احتمالات تفكك الدولة السودانية بعدما كان المطروح قبل 55 عاما هو أن الوضع الطبيعي أن تكون هناك وحدة بين مصر والسودان فلم يكن الوضع الطبيعي أن تكون الوحدة بين مصر وسورية والعبارة قالها الرئيس عبد الناصر خلال لقائه مع الرئيس جعفر نميري والعقيد معمر القذافي الساعي لاندماج البلدان الثلاثة في حلم صار اليوم كابوسا فأحدهم انقسم قانونيا إلى دولتين مستقلتين شمالية وجنوبية وثمة ثالثة تلوح في الأفق غربا والأخرى مفككة وفق إكراه سلطات الأمر الواقع وتعمل فيها حكومتان شرقا وغربا وبالتأكيد ما يجري في السودان وليبيا لم يخطر في مخيال المجتمعين وقد ساقهم اتقاد وشغف عروبي إلى نقاش أفكار من قبيل اتحاد جمهوريات على النمط اليوغسلافي في البدء لاح تطرف سياسي في ما ذهب إليه القذافي المتحمس منكرا وجود أي قوميات في السودان باستثناء العربية ثم عاد ليعتبر أن الجنوب يمكن أن يشكل قومية بعد عرض مستفيض لنميري حول الإثنيات العديدة التي يذخر بها بلده وتناقضاتها الكثيرة مثل اتحاد قبائل البجا في شرق السودان قائلا إن أصلهم عربي لكنهم لا يتكلمون العربية وعادتهم تختلف عن العرب لا سيما عرب الغرب درافور وهؤلاء يختلفون عن عرب الوسط وكل هؤلاء يختلفون تماما عن الجنوب ونوبة وسط السودان المختلفة عن نوبة الشمال فما كان من القذافي إلا أن وصف تلك التعقيدات بمظاهر التأخر الاجتماعي وهو ما رد عليه نميري أن نظامه يعمل على برامج اجتماعية واقتصادية لتقريب كل تلك الإثنيات والقبائل من بعضها حتى تصبح على مستوى واحد بعد حل المشاكل الداخلية ليمكن بعدها توحد البلدان الثلاثة وقبلها يمكن التلاقي في الأهداف السياسية إلى أن يجري خلق وحدة شعبية وهو ما وافق عليه ناصر قائلا للقذافي لا تستطيع أن تستحث الوحدة بالكلام لا بد أن تكون عن قناعة وشعور بالمصلحة الكاملة للجميع وإلا فالوحدة فيها متاعب ومنغصات لا نستطيع تحملها في ما يبدو أن تروما الصدمة النفسية سياسية جراء الانفصال المصري السوري وزوال الجمهورية العربية المتحدة ما جعل ناصر أكثر واقعية ضاربا مثالا توضيحيا على ما سبق بالقول إن السوريين كان لديهم قناعة غريبة جدا بالوحدة واحنا مكانش لم يكن عندنا قناعة وبعدما دخلنا في الوحدة كانت هناك أحزاب كثيرة وكل منها أراد أن يحقق هدفه من خلال الوحدة الشيوعيون والبعثيون والحزب الوطني وحزب الشعب وكل منهم أراد أن يسيطر من خلال الوحدة ولما لم يحققوا هدفهم انقليوا جميعا ضد الوحدة كذلك الشخصنة لها دور فأكثر من كان يؤمن بالوحدة في سورية هو صلاح البيطار وحينما لم يعين وزيرا للخارجية انقلب على الوحدة وميشيل عفلق حارب الوحدة لأسباب شخصية وليس لأسباب مبدأية فلا بد أن يقتنع الناس يقصد الشعوب بالوحدة في ظل الحرب النفسية والشائعات التي تستهدفهم أما في مسألة العلاقات المصرية السودانية فيذهب ناصر إلى تشخيص دقيق للعراقيل والتحديات التي تواجهها دونما رومانسية سياسية اتسمت بها أفكاره في بدايات توليه السلطة ومن هنا قدم توصيفا لما سماه بـعقدة خلقت بين البلدين وتجاهلها غلطة كبيرة وجرى تغذيتها عبر الإنكليز قائلا اختلفت مع صلاح سالم لأنه أراد وحدة بأي ثمن مع السودان ففي حال عدم القناعة سيكون هناك انشقاق مستمر بيننا بعد وحدة سابقة مثلت نوعا من السيطرة والحكم الإقطاعي منذ أيام محمد علي وتوحيده لبلاد السودان وكردفان ودارفور وبلاد النوبة وسنار وغيرها فكان للبلدين جيش واحد يتدخل نميري هنا قائلا وكلية حربية واحدة نعم وكانت هناك وحدة كاملة يقر ناصر بهذا لكن خلق الإنكليز اتجاهات للتفرقة بين البلدين لذا قلنا في مجلس الثورة عام 1953 لا بد أن يخرج الإنكليز من السودان قبل مصر وهذا سيجعل العلاقة بين البلدين جيدة لأنها بالطبيعة في مصلحتهما لكن بعد اتفاقية تقرير مصير السودان في عام 1953 بدأت دعايات كبيرة ضد الوحدة نتيجة عقد وترتيبات خلقت حساسية ضد الوحدة رغم كل مقوماتها التي لم تكن قائمة في الحالة السورية وكانت العلاقات في أغلب الأوقات جيدة إلا في عهد عبدالله خليل لعلاقاته مع الإنكليز كان رئيسا للوزراء في أول حكومة بعد الاستقلال هنا تدخل نميري قائلا إن عبدالله خليل مصري من دارو مدينة شمال أسوان يكمل كان كذلك ضابطا في الجيش المصري فيضحك الحضور ويقر ناصر بما قاله الرئيس السوداني قائلا الرواسب والعقد كبيرة والدعاية تقول إن الوحدة بين مصر والسودان معناها أن مصر ستسيطر على السودان وإذا كان الهدف عمل وحدوي لا بد من تصفية كل العقد ومعالجة الموضوع بصبر ولا نخلق أي مواقف قد تعقد الأمور سائلا نميري عن رأيه فأجاب ده كلام صح كله والأحزاب القديمة تقود ثورة مضادة تحاربنا بأننا سندخل البلاد في وحدة وهدفهم الوصول للسلطة وارتباط مصالحنا مع مصر خطر على مصالحهم وهذا هو لب العقد التي ذكرها الرئيس عبد الناصر الضابط السابق في الجيش المصري بالسودان فالإقطاع السياسي والاقتصادي القديم الممثل في أسرتي المهدي والميرغني كانت له مصالحه التي يرفض التخلي عنها وهو ما كان سيخلق حالة كبيرة من الصدام العنيف مع النظام الحديث الناشئ بين البلدين كما يرى الباحث والكاتب السوداني وائل علي بالتالي كان على دولة الوحدة المفترضة خوض تعقيدات التعامل مع الإثنيات السودانية وامتدادتها القبلية الخارجية مع دول الجوار تشاد وإثيوبيا وإريتريا وكينيا وأفريقيا الوسطى وأوغندا والتواترت العرقية التي خلقها الإنكليز بين جنوب السودان وشماله وهذا الواقع شديد التعقيد والخطورة أسفر عن فتور همة ناصر الوحدوية وزهد أحلامه بالزعامة العربية من خلال البوابة السودانية الأقرب إلى بلاده بكل المقاييس لكن يصعب السيطرة على أهلها وحكمها إذا قارنتها بمصر سهلة الانقياد لما لأهلها من هوية موحدة وواقع جغرافي محدد يسهل السيطرة عليهم على عكس السودان الشاسع الممتلئ بالمشاكل والصراعات التي ستستنزف الدولة الوليدة وهذه هي الرسالة المتوخاة من المقطع المذكور والموضوعة على لسان الرئيس عبد الناصر من أجل منحها رمزية وثقل تاريخه في إجابة عن أسئلة متصاعدة في القاهرة منذ سقطت الفاشر متى ستتدخل مصر لماذا لم تضع خطا أحمر لأمنها القومي في جنوبها مثل سرت التي حددها الرئيس عبد الفتاح السيسي غربا أليس أمن مصر من أمن السودان بأبعاده المائية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية أين دورنا العروبي القومي خاصة في ظل الروابط التاريخية بين البلدين والشعبين وماذا في أيدينا لنفعله هكذا يجيب علينا من بث التسجيل فالسودان مشاكله كثيرة والعقد بين البلدين جمة وإن كان هذا وضع البلدين وقتها فكيف حالهما اليوم ضعف الطالب والمطلوب فليبق كل في مكانه بصوت الزعيم الراحل