رحيم الحاج أن أكون مترجما موسيقيا للرسائل الإنسانية
60 مشاهدة
في عام 2000 وصل عازف العود العراقي رحيم الحاج إلى الولايات المتحدة الأميركية لاجئا سياسيا لتبدأ مرحلة جديدة في حياته وحياة العود أعادت صياغة دور الآلة عالميا وتجسد ذلك في قائمة أعماله التي مزجت الأنماط الموسيقية في جرأة بالغة ففي ألبومه أصوات قديمة حاور عازف السارود الهندي أمجد علي خان ليحصد ترشيحا لجائزة غرامي العالمية بينما جسد في رسائل من العراق مأساة بلده عبر ثماني مقطوعات مستوحاة من رسائل حقيقية كتبها عراقيون دامجا العود مع الكوينتيت الوتري الغربي برزت نزعته التجريبية أكثر في ألبومي سماء واحدة مع عازف السنتور الإيراني صادق ترابي وأرض صغيرة الذي جمع فيه السيتار الهندي والناي الإيراني والكورا الأفريقية والبيبا الصينية وأكثر من 125 عازفا في الأعوام الأخيرة يبرز اسم رحيم الحاج ليس عازفا بارعا فحسب بل أيقونة موسيقية حائزة أرفع الأوسمة الفنية في الولايات المتحدة منها زمالة التراث الوطني وترشيحان لجائزة الغرامي مؤكدا أن الموسيقى العراقية في عهدته لم تعد تراثا محبوسا في الذاكرة بل قوة ناعمة تخاطب الوجدان العالمي من فوق أرفع مسارح العالم التقت العربي الجديد الموسيقي العراقي للتعرف إلى تجربته أكثر nbsp في ألبومك الأول بغداد الثانية ساد نوع من التقشف إن جاز التعبير عود منفرد وموسيقى خالية من الزخارف اللحنية الكثيفة التي يتميز بها المقام العراقي ما الرؤية التي اقترحت هذا الاختيار حين جئت إلى الولايات المتحدة في سن الثلاثين كنت لا أعرف الإنكليزية أتيت إلى هذا البلد ذي الطبيعة القاسية متسلحا بالعود وبإرث موسيقي عربي فقط لأكتشف نفسي من جديد في بلد لا يعرف ما هي هذه الآلة ومع ذلك تمكنت عن طريق صديقة كانت تعلمني الإنكليزية وبطاقة ائتمانية أتاحت لي مبلغ ألفي دولار من التواصل مع أحد الاستوديوهات إذ سجلت ألبومي الأول خلال ساعة متواصلة من دون توقف أو إضافات لأن أي وقت إضافي كان سيكلفني مالا لا أملكه رغبت في هذا العمل أن أعبر من خلال الآلة وليس عنها أردت أن أصرح بما شعرت به آنذاك غربة رحيم في مجتمع لا يستطيع التواصل معه لأنه لا يمتلك اللغة بعد لذلك جاء العمل بسيطا وبعيدا عن أي نزعة استعراضية مرتبطة بتلك الزخارف الموسيقية ألبومك موسيقي من العراق وضعك على خريطة الموسيقى العالمية بترشيحه لجائزة غرامي ما العوامل التي اجتمعت في هذا العمل وجعلته محط أنظار عالمية لهذا الألبوم قصة قدمته بعد نحو سنتين من مجيئي إلى الولايات المتحدة ومن خلال صديق هو ستيفن فيلد أحد أبرز المتخصصين في موسيقى الشعوب حضر فيلد إحدى أمسياتي وأعجب بما قدمته فأرسل بريدا إلكترونيا مشفوعا بأسطوانة إلى شركة مهمة متخصصة في موسيقي الشعوب وهي سميثسونيان فولكوايز بعد شهر تواصلت معي الشركة وتعاقدنا على إنجاز ألبوم للموسيقى العراقية التقليدية قدمت فيه مقطوعات تراثية لكنني في الوقت نفسه صغت مقدمات للمقام العراقي أبرزت فيها رؤيتي الخاصة وتقنياتي من دون أن يخل ذلك بتقديم المقام بأمانة بعد أن دونته تنويت هكذا صار الألبوم مع التدوين وثيقة معرفية عن المقام العراقي nbsp في ألبوم رسائل من العراق جسدت موسيقيا ملامح من الحياة اليومية في بلدك بعد عام 2003 هل تحكمك رؤية محددة في ترجمة الواقع إلى لحن أم أن الأمر يترك للإحساس وحده حين زرت العراق في ذلك التوقيت فكرت بعد عودتي في تقديم محاضرات إلى الجمهور الأميركي للتعريف بمعاناة الشعب العراقي تحت تأثير الحرب والحصار خصوصا أنني أدرس في الجامعة لكنني أدركت أن الموسيقى ستكون أكثر تعبيرا لهذا ألفت عملا مستوحى من رسائل بعث بها العراقيون إلى العالم الخارجي في أثناء فترة الحصار والحرب فجاء لكل رسالة مقطوعة موسيقية ضمن قالب غربي كلاسيكي String Quintet حتى لا تتطلب جهدا من المستمع الغربي للتجاوب معها من دون أن يمنع ذلك المستمع العربي من الإحساس بشرقية المقطوعات في هذا الألبوم وضعت الإيغو جانبا لأعبر بأمانة عن هذه الرسائل اكتفيت بأن أكون مترجما موسيقيا لتلك الرسائل الإنسانية لهذا وصل الألبوم إلى مراحل متقدمة من التلقي وعزفته في أنحاء العالم حتى في أوبرا سيدني لا تعتمد في مؤلفاتك على التقسيم التقليدي أو الارتجال المرسل بل تميل إلى التأليف البنائي المحكم هل يعود ذلك إلى رغبتك فقط في سرد الحكايات أم أن هناك أسبابا جمالية أخرى فاجأني ناقد فرنسي مرة بعد حضوره إحدى أمسياتي برأي مفاده أن رحيم يعزف لذاته وليس للجمهور وما قصده هو أنني في أثناء العزف أكون مسترخيا لا أتشنج أو أبذل جهدا لإبهار الجمهور إذ يصبح التكنيك هو غاية بحد ذاته لا الموسيقى nbsp الموسيقي حالة وجدانية لا تتوافق مع التشتيت الذي تحدثه محاولات الاستعراض عبر التقنيات العالية التي يميل إليها بعض العازفين ولا أخفي عنك سرا أنني في بداياتي كنت مبهورا بهذا الأسلوب وحريصا عليه لكن بعد مجيئي إلى الولايات المتحدة ودراستي الموسيقى الغربية شعرت أن غاية الموسيقى أبعد ما تكون عن الإبهار والاستعراض فعندما يقدم العازف أربع أو خمس نغمات في اللحظة نفسها لن يترك هذا مساحة للسماع والتأمل nbsp ترشح ألبوم أصوات قديمة الذي جمعك بعازف السارود الهندي أمجد علي خان لجائزة الغرامي ضمن فئة أفضل ألبوم موسيقى عالمية تقليدية هل أنصفك هذا التصنيف أم أنه تجاهل حداثة قد تكون واضحة في التجربة بالتأكيد شعرت بظلم وقع على الألبوم فهو موسيقى حداثية صرفة كنت قد سجلته عام 2000 لدى لقائي مصادفة بعازف السارود الهندي أمجد علي خان في أحد الاستوديوهات وعرفني إليه أحدهم وبسبب عدم إجادتي الإنكليزية آنذاك لم أستطع محادثته فكان حوارنا بلغة الموسيقى أخرج هو السارود وأحضرت العود وبدأنا بالعزف بعيدا عن أي تنافسية nbsp سجل العمل ثم نسيته تماما ولم أتذكره أو أستمع إليه إلا بعد أكثر من 12 عاما فأعجبني كثيرا عندها قررت إنتاجه وإصداره لذلك لم يكن هناك أي تقليدية تتعلق بهذا الألبوم سوى الآلتين وبعد صدوره في عام 2000 جلنا أمجد وأنا في جميع أنحاء الهند حيث دهشت من المكانة التي يتمتع بها هناك في ألبوم أرض صغيرة فتحت باب التجريب على مصراعيه السيتار الهندي والناي الإيراني والكورا الأفريقية والبيبا الصينية إلى جانب غيتارات الجاز والروك كيف استطاع العود أن يستوعب كل هذه الأصوات في واحدة من أكثر التجارب جرأة في تاريخ الآلة أتصور أن هذا العمل حمل درجة عالية من الجنون فما علاقة عازف عود عراقي بالبيبا الصينية لكنني بدأت دراسة هذه الآلة وغيرها انطلاقا من الرسالة التي حملها ألبوم أرض صغيرة حتى وإن اختلفت لغاتنا وأدواتنا في التعبير الموسيقي درست هذه الآلات المختلفة وبالطبع استغرق العمل وقتا طويلا وشارك فيه أكثر من 125 عازفا من ست قارات دونت نوتاتها كاملة ورغم الكلفة العالية تمكنت من تمويله من جائزة فزت بها اسمها American Artist Award وأصدرته في أسطوانتين رأى عدد من النقاد توظيفك لتقنية الكاونتربوينت Counterpoint خصوصا في ألبومك رسائل من العراق نقطة تحول في تاريخ العود كيف تنظر أنت إلى هذا التحول كانت هذه التقنية ضرورة تعبيرية فرضتها طبيعة القصص التي يرويها الألبوم إذ احتاجت إلى خطوط لحنية مستقلة ومتزامنة لتعكس الأصوات المتداخلة والمشاعر المتضاربة كما منحت العود قدرة أكبر على السرد من اللافت في ألبوم سماء واحدة الذي جمعك بعازف السنتور الإيراني صادق ترابي الكتيب المرافق للعمل 20 صفحة فبدا أقرب إلى وثيقة ثقافية ماذا أردت أن تقول من خلاله العالم اليوم يعيش في حالة غليان بلغ فيها التعصب والكراهية مستويات خطيرة لهذا جاء هذا الألبوم رسالة تذكير أننا نعيش تحت سماء واحدة وإن اختلفت الجغرافيا والألوان واللغات أما هذا العمل فقد ألفته في عمر الثالثة عشرة على مقام إيراني اسمه دشت وكانت الحرب دائرة آنذاك بين العراق وإيران فاتهمت حينها بالخيانة وكما احتفظت باللحن ظل المعنى حاضرا معي منذ الصغر إلى أن قدمت الاثنين لاحقا مع الموسيقي الإيراني وفي الكتيب إلى جانب التعريف بالموسيقى العراقية ونظيرتها الإيرانية وبالآلتين الشرقيتين وثقت حكاية هذه المقطوعة وكيف اجتمع بعد كل هذه السنوات عازفان من بلدين خاضا حربا طاحنة استمرت ثماني سنوات ليعزفا معا على المسرح تحت سماء واحدة تضمن الألبوم آنذاك رسالة للإدارة الأميركية وهذه القصة ربما أرويها للمرة الأولى فإلى جانب الموسيقي الإيراني استعنت بعازف من كوريا الشمالية وكنت أرغب في تسمية الألبوم بالتسمية نفسها التي أطلقها بوش على دولنا محور الشر لكن الشركة الأميركية مانعت فتغير العنوان إلى سماء واحدة هل تطلب وصول العود إلى الجمهور الغربي نوعا من أنسنته والابتعاد به عن دوره الطربي الشرقي التقليدي لا أراه تخليا عن الطربية بقدر ما هو تعميق لولائي إلى المعرفة التي حصلتها والرؤية التي تحكم موسيقاي فلست معنيا على الإطلاق بتكرار الروح نفسها التي قدمت على امتداد القرون الماضية وأعتقد أن هذا المسار الجديد لم يغير من هوية العود بل طور تعبيره تخيل آلة مثل الكمان بأربعة أوتار مع ذلك قادرة على تقديم جميع الألوان الموسيقية وهذا ما أطمح إليه للعود